“بلا ڤار”أخبار

أزمور في العصر السعدي… مدينة تعيد بناء نفسها بعد العاصفة

🟠 بلا فار | الحلقة الرابعة عشرة

 

سلسلة «بلا فار» | أزمور… حكاية مدينة

بقلم : سعيد حركات | USA TV |

بعد أن طوينا في الحلقة السابقة صفحة الوجود البرتغالي بأزمور، نفتح اليوم صفحة جديدة من تاريخ المدينة.

صفحة لم تبدأ بالراحة…

بل بدأت وسط الخوف والحذر.

فأزمور التي خرج منها البرتغاليون لم تكن هي أزمور التي دخلها البرتغاليون سنة 1513.

لقد ترك الاحتلال وراءه آثاراً عميقة في المدينة، بينما ظل البرتغاليون قريبين جداً منها داخل مازاغان.

وبين مدينة تحررت…

وحصن أجنبي بقي على الساحل…

بدأ فصل جديد من تاريخ أزمور.

أزمور السعدية.


🟤 من التحرير إلى إعادة البناء

ارتبط خروج البرتغاليين من أزمور بصعود القوة السعدية في المغرب.

فبعد نجاح السعديين في استعادة أكادير سنة 1541، اضطرت البرتغال إلى التخلي عن أزمور وآسفي في السياق نفسه، لتنتهي بذلك مرحلة مهمة من مشروعها العسكري على الساحل المغربي.

لكن التحرير لم يكن نهاية المهمة.

فالمدينة كانت تحتاج إلى:

إعادة تنظيم السلطة،

إصلاح التحصينات،

إعادة تنشيط الحياة الاقتصادية،

وإعادة بناء الثقة لدى السكان.

وتشير مصادر تاريخ أزمور إلى أن المدينة أعيد احتلالها من طرف المسلمين، ووُضعت تحت حكم القائد ابن مالك، الذي يُرجح أنه قام بأعمال مرتبطة بتحصين المدينة.

وهنا بدأ العمل الحقيقي:

كيف تعود أزمور إلى الحياة؟


🛡️ ابن مالك… حاكم المدينة بعد التحرير

لم يكن اختيار حاكم للمدينة بعد التحرير أمراً بسيطاً.

أزمور كانت مدينة حدودية بالمعنى الاستراتيجي.

فالعدو السابق لم يبتعد كثيراً.

مازاغان بقيت في يد البرتغاليين.

والبحر أمام المدينة.

والنهر خلفها وداخلها.

والقبائل والمجالات الفلاحية المحيطة بها.

لذلك كان على السلطة الجديدة أن تضع رجلاً قادراً على إدارة مدينة ما زالت تعيش في أجواء الحرب.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن ابن مالك تولى حكم أزمور بعد عودة المسلمين إليها، وربطت به أعمالاً في تحصين المدينة.

وهكذا أصبح الأمن أولوية.


⚔️ البرتغاليون لم ينسوا أزمور

وهنا المفاجأة.

هل تعتقدون أن خروج البرتغاليين سنة 1541 يعني أن الخطر انتهى؟

لا.

فمازاغان بقيت تحت سيطرتهم.

ومنها كان بإمكانهم مراقبة المنطقة والقيام بعمليات عسكرية ضد المدن والمناطق القريبة.

وبالفعل، لم تمر سوى فترة قصيرة حتى تعرضت أزمور لهجوم برتغالي جديد.


🔥 ديسمبر 1542… أزمور تتعرض لغارة

في دجنبر 1542 قاد حاكم مازاغان البرتغالي، دون لويز دي لوريرو، غارة على أزمور.

وتذكر المصادر أنه دخل المدينة على رأس قوة من الفرسان، وتمكن من الوصول إليها، وأحرق القلعة وعدداً من المنازل، كما هدم بعض الأبواب وأتلف قوارب كانت راسية في النهر، قبل أن يعود إلى مازاغان.

تخيلوا المشهد…

أزمور تحررت للتو.

والسكان يحاولون استعادة حياتهم.

ثم يظهر البرتغاليون مرة أخرى.

لكن هذه المرة ليسوا حكام المدينة.

بل قوة تأتي من الخارج وتضرب ثم تعود إلى حصنها.

وهذا غيّر طبيعة الصراع.


🏰 أزمور بين مدينتين

منذ ذلك الوقت أصبحت أزمور تعيش وضعاً استثنائياً.

على جهة:

أزمور المغربية.

وعلى جهة أخرى، بالقرب منها:

مازاغان البرتغالية.

وبينهما مجال تتحرك فيه القوات والتجار والفلاحون والمقاومون.

ولهذا أصبحت المنطقة كلها أشبه بحدود مفتوحة على الاحتمالات.

يمكن أن يبدأ النهار بالتجارة…

وينتهي بالغارة.

يمكن أن يعبر الناس النهر…

ثم تصل أخبار جيش قادم من الساحل.

وهكذا عاش أهل أزمور مرحلة طويلة من الحذر الدائم.


🕌 المقاومة لا تختفي

مع مرور الوقت ظهرت داخل أزمور مجموعات من المجاهدين والمرابطين الذين كانوا ينظرون إلى الوجود البرتغالي في مازاغان باعتباره استمراراً للخطر.

وتشير المصادر إلى حادثة وقعت في يناير 1546، حين كان عدد من المجاهدين قد استقروا بأزمور، وكان بينهم مرابطون يدعون إلى الجهاد ضد البرتغاليين.

وبحسب رواية تاريخية، قامت قوة برتغالية بهجوم مباغت على المدينة، وتمكنت من أسر عدد من هؤلاء المجاهدين والمرابطين قبل أن تعود إلى مازاغان.

وهذا الحدث يكشف لنا شيئاً مهماً:

أزمور لم تكن مدينة تنتظر الأحداث.

كانت جزءاً من المقاومة.


🇲🇦 السعديون… مشروع أكبر من تحرير مدينة

في الوقت نفسه، كان السعديون يعملون على بناء دولة قوية.

لم تكن القضية بالنسبة إليهم مجرد طرد البرتغاليين.

كان الهدف أيضاً:

توحيد المغرب،

تقوية السلطة المركزية،

وإنهاء التنافس الوطاسي،

وتثبيت السيطرة على المدن والمناطق.

وقد تمكن محمد الشيخ السعدي من تعزيز سلطته، ثم دخل فاس سنة 1549، وفي سنة 1554 حُسم الصراع مع الوطاسيين لصالح السعديين.

وهكذا وجدت أزمور نفسها داخل دولة مغربية أصبحت أكثر قوة وتنظيماً.


🌊 أزمور… موقع لا يمكن تجاهله

لماذا كانت السلطة تهتم بأزمور؟

لأن المدينة لم تكن مجرد مكان للسكن.

كانت تقع في موقع بالغ الأهمية.

أم الربيع.

دكالة.

المحيط الأطلسي.

مازاغان.

كل هذه العناصر جعلت أزمور جزءاً من المعادلة الاستراتيجية للمغرب الأطلسي.

فالسيطرة على أزمور تعني مراقبة جزء من الطريق بين الداخل والساحل.

والسيطرة على مازاغان تعني بالنسبة للبرتغاليين محاولة الحفاظ على موطئ قدم في المغرب.

ولهذا ظل الصراع قائماً.


🌾 أزمور تعود إلى اقتصادها

بعد سنوات الحرب، كان لا بد أن تعود الحياة اليومية.

الفلاح يعود إلى أرضه.

الصياد إلى النهر.

الحرفي إلى ورشته.

التاجر إلى السوق.

والسكان إلى أحيائهم.

كانت أزمور تمتلك مقومات طبيعية تساعدها على ذلك.

فأم الربيع لم تتوقف.

والأراضي المحيطة بالمدينة ظلت توفر موارد زراعية.

وموقع المدينة ظل يمنحها إمكانات تجارية.

ولهذا لم تختف أزمور من الخريطة الاقتصادية للمغرب رغم كل ما مرت به.


🧵 الحرف… ذاكرة لا تختفي

التاريخ لا يكتب فقط في القصور والمعارك.

أحياناً يكتب في:

قطعة قماش…

قطعة فخار…

حرفة يدوية…

نقش…

أو سوق قديم.

وقد عرفت أزمور عبر تاريخها الطويل أنشطة حرفية وتجارية متعددة.

ومع عودة الاستقرار تدريجياً، عادت الحرف والأسواق لتشكل جزءاً من الحياة اليومية.

وهذا الجانب مهم جداً في فهم المدينة.

لأن أزمور لم تكن مدينة جيوش فقط.

كانت مدينة ناس يعيشون ويعملون ويصنعون ويبيعون ويشترون.


🕍 مكوّن آخر في المجتمع

ومن المهم، عند الحديث عن أزمور خلال القرون اللاحقة، ألا ننسى أن المدينة عرفت أيضاً حضوراً يهودياً مهماً.

وتشير المصادر إلى وجود مجتمع يهودي قوي في أزمور خلال فترات طويلة من تاريخها، واستمر حضوره حتى القرن العشرين.

لكن من الأفضل ألا نخلط بين المراحل الزمنية.

ففي هذه الحلقة نركز على بدايات المرحلة السعدية، بينما سنخصص لاحقاً حلقة مستقلة للحديث عن:

اليهود في أزمور… التجارة والحرف والذاكرة.

لأن هذا المكوّن يشكل جزءاً مهماً من تاريخ المدينة الاجتماعي.


👑 محمد الشيخ… والمرحلة الجديدة

كان السلطان محمد الشيخ السعدي واحداً من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بمرحلة تحرير الساحل المغربي.

وبعد انتصاراته على البرتغاليين، أصبح السعديون القوة السياسية الأبرز في المغرب.

لكن الدولة لم تكن قد وصلت بعد إلى أوج قوتها.

فذلك سيأتي لاحقاً.

وسيكون اسم واحد مرتبطاً بتلك المرحلة:

أحمد المنصور الذهبي.


⚔️ أزمور تنتظر مرحلة جديدة

مع مرور السنوات، بدأ المغرب السعدي يدخل مرحلة من القوة.

ثم جاءت سنة 1578.

سنة ستدخل التاريخ المغربي والعالمي من أوسع أبوابه:

معركة وادي المخازن.

المعروفة أيضاً بـ:

معركة الملوك الثلاثة.

لماذا هي مهمة لأزمور؟

لأن نتيجتها ستغير موازين القوى في المغرب.

وستضعف نهائياً المشروع البرتغالي التوسعي في المنطقة.

كما ستفتح الطريق أمام أحمد المنصور الذهبي ليصبح واحداً من أقوى سلاطين المغرب.


👑 أحمد المنصور… المغرب يدخل مرحلة القوة

بعد معركة وادي المخازن سنة 1578، أصبح أحمد المنصور سلطاناً للمغرب، وبدأت مرحلة جديدة عرفت فيها الدولة السعدية قوة سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة.

وفي عهده توسعت علاقات المغرب الدولية، وازدهرت التجارة والدبلوماسية، وامتد نفوذ الدولة جنوباً.

لكن ماذا كان موقع أزمور وسط هذه التحولات؟

هل أصبحت المدينة مجرد مدينة عادية؟

أم حافظت على مكانتها الاستراتيجية؟

وهل استفادت من القوة السعدية؟

هذه الأسئلة ستقودنا إلى الحلقة القادمة.


🟠 أزمور في عهد المنصور الذهبي

في عهد أحمد المنصور، لم تعد أزمور تواجه البرتغاليين بالطريقة نفسها.

فالمغرب أصبح أقوى.

والوجود البرتغالي في معظم الساحل المغربي كان قد انهار تقريباً، باستثناء مازاغان التي بقيت تحت السيطرة البرتغالية حتى القرن الثامن عشر.

وهذا أعطى أزمور مساحة أكبر لإعادة بناء حياتها بعيداً عن الخطر المباشر الذي عاشته خلال النصف الأول من القرن السادس عشر.

لكن القوة السعدية لم تعنِ أن كل شيء أصبح مثالياً.

فالتجارة كانت تتغير.

والطرق البحرية كانت تتغير.

والمنافسة بين الموانئ كانت قوية.

والسلطة المركزية كانت تراقب المدن والمجالات الاقتصادية بعناية.


🟠 أزمور… من مدينة مقاومة إلى مدينة مستقرة

وهنا نستطيع أن نلخص التحول الكبير:

قبل 1513:

مدينة مغربية مزدهرة.

1513:

الاحتلال البرتغالي.

1541:

نهاية الاحتلال وعودة المدينة إلى الحكم المغربي.

1542 وما بعدها:

استمرار الغارات والتهديد انطلاقاً من مازاغان.

النصف الثاني من القرن السادس عشر:

ترسيخ الحكم السعدي واستعادة قدر أكبر من الاستقرار.

1578:

انتصار المغرب في وادي المخازن وبداية عهد أحمد المنصور.

وهكذا دخلت أزمور مرحلة جديدة.

مرحلة أقل ارتباطاً بالخوف من الاحتلال…

وأكثر ارتباطاً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


🟠 بلا فار… التاريخ لا ينتهي عند المعركة

قد نقرأ تاريخ المدن ونركز دائماً على:

من احتل؟

من حرر؟

من انتصر؟

لكن تاريخ أزمور يعلمنا شيئاً آخر.

بعد كل معركة هناك:

أم تنتظر عودة ابنها.

فلاح يعود إلى أرضه.

تاجر يفتح متجره.

حرفي يعود إلى ورشته.

طفل يدخل المسجد أو الكتاب.

ومدينة تحاول أن تبدأ من جديد.

وهذا هو الجانب الذي سنحاول أن نكشفه أكثر في الحلقات المقبلة.


🌊 أزمور… النهر الذي لم يتغير

تغيرت الدول.

تغيرت الأعلام.

دخل البرتغاليون وخرجوا.

جاء السعديون.

وتغيرت موازين القوى.

لكن أم الربيع بقيت.

تجري أمام المدينة.

تحمل قوارب الصيادين.

وتعكس أسوار أزمور.

وكأنها تقول لكل من مر من هنا:

أنتم عابرون… أما أزمور فباقية.


🔜 الحلقة 15 من «بلا فار»

🟠 أزمور في عهد أحمد المنصور الذهبي… حين دخلت المدينة عصر القوة السعدية

كيف كانت أزمور في عهد المنصور الذهبي؟

هل ازدهرت تجارتها؟

كيف كانت علاقتها بمازاغان؟

ماذا عن اليهود والحرفيين والتجار؟

وكيف كانت الحياة داخل المدينة في أواخر القرن السادس عشر؟

ثم سنقترب من مرحلة أخرى شديدة الأهمية:

أزمور في القرن السابع عشر… عندما بدأ المغرب يدخل مرحلة جديدة من التحولات.

يتبع…

#بلا_فار

#أزمور

#تاريخ_أزمور

#الدولة_السعدية

#أحمد_المنصور_الذهبي

#أم_الربيع

#أزمور_حكاية_مدينة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button