“بلا ڤار”أخبار

أزمور والمرابطون… عندما دخلت المدينة عصراً جديداً

🟠 بلا فار | الحلقة الخامسة

أزمور… حكاية مدينة بقلم : سعيد حركات | usa tv |

في الحلقات السابقة من «بلا فار»، رجعنا إلى جذور أزمور، وتوقفنا عند علاقتها ببرغواطة، ثم تابعنا دخولها في التحولات السياسية التي عرفها المغرب خلال العصر الإدريسي.

واليوم نصل إلى مرحلة جديدة.

مرحلة ستعرف فيها أزمور تحولاً مهماً، وستصبح المدينة جزءاً من دولة واسعة امتد نفوذها من المغرب إلى الأندلس.

إنها مرحلة:

المرابطين.

من برغواطة إلى المرابطين

خلال القرنين العاشر والحادي عشر، كان المغرب يعيش مرحلة سياسية معقدة.

قوى متعددة تتنافس على النفوذ، وبرغواطة ما تزال حاضرة في المجال الأطلسي، بينما بدأت قوة جديدة في الصعود من الجنوب.

إنها الدولة المرابطية.

وقد تمكن المرابطون، المنحدرون من قبائل صنهاجة، من توسيع نفوذهم تدريجياً، ثم توحيد مساحات واسعة من المغرب، قبل أن يمتد نفوذهم إلى الأندلس.

ومع توسع الدولة المرابطية، أصبح المجال الذي توجد فيه أزمور جزءاً من مشروع سياسي جديد.

أزمور تدخل تحت النفوذ المرابطي

تشير مصادر تاريخية إلى أن المرابطين استقروا في أزمور خلال القرن الحادي عشر، ويرتبط اسم السلطان يوسف بن تاشفين بالسيطرة على المدينة.

وهنا يجب أن نتوقف قليلاً.

فالسيطرة على أزمور لم تكن مجرد إضافة مدينة جديدة إلى خريطة الدولة.

كانت أزمور ذات أهمية بسبب موقعها الاستثنائي:

أم الربيع.

الأراضي الزراعية.

القرب من المحيط الأطلسي.

والاتصال بالمجال الداخلي لدكالة.

ولهذا كانت المدينة قادرة على لعب أدوار اقتصادية وسياسية تتجاوز حجمها الجغرافي.

لماذا كانت أزمور مهمة للمرابطين؟

إذا نظرنا إلى الخريطة، سنفهم الكثير.

أزمور تقع على الضفة اليسرى لأم الربيع، بالقرب من مصبه في المحيط الأطلسي.

وهذا جعلها نقطة التقاء بين:

🌊 المجال البحري

🌿 المجال الزراعي

🏞️ المجال الداخلي

🛤️ طرق الحركة والتجارة

وقد حافظت المدينة على روابط تجارية مع شبه الجزيرة الإيبيرية خلال الفترات الإسلامية، واستمرت هذه الصلات بشكل واضح في القرن الثاني عشر.

إذن، لم تكن أزمور بالنسبة للمرابطين مجرد مدينة حدودية.

كانت مركزاً اقتصادياً ومجالاً استراتيجياً.

أزمور والنهضة الدينية

لكن العصر المرابطي لم يكن مهماً لأزمور من الناحية السياسية والاقتصادية فقط.

فخلال هذه المرحلة بدأت المدينة تبرز أيضاً كفضاء للعلم والدين والتصوف.

وتذكر مصادر محلية وتاريخية أن أزمور عرفت خلال العصر المرابطي نشاطاً دينياً وعلمياً، وارتبط اسمها بعدد من العلماء والمتصوفة.

وهنا نصل إلى شخصية ستصبح، بعد قرون، جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة:

أبو شعيب أيوب بن سعيد الصنهاجي

المعروف في أزمور باسم:

مولاي بوشعيب السارية أو الرداد.

من هو مولاي بوشعيب؟

ولد أبو شعيب، حسب المصادر التي تناولت سيرته، سنة 463هـ في منطقة «أيار» بعبدة.

ورحل في طلب العلم بين عدد من مدن المغرب، كما وصل إلى الأندلس، وارتبط بعدد من العلماء والمشايخ في عصره.

وتذكر المصادر أنه درس القرآن والعلوم الشرعية، واتصل بشيوخ التصوف، قبل أن يستقر ارتباطه بأزمور.

ولم يكن مجرد رجل دين عابر.

بل أصبح مع مرور الوقت واحداً من أبرز رموز التصوف في المنطقة.

لماذا سمي «السارية»؟

لقب «السارية» ارتبط، حسب الروايات المتداولة في ترجمته، بطول قيامه في الصلاة والعبادة، حتى شبّهه الناس بالسارية.

ومن هنا أصبح اسمه معروفاً:

أبو شعيب السارية.

أما اسم الرداد، فأصبح مرتبطاً به في الذاكرة المحلية، وأصبح الضريح الذي يحمل اسمه واحداً من أشهر معالم أزمور الروحية.

لكن علينا أن نفرق دائماً بين السيرة التاريخية وبين التفاصيل التي دخلت لاحقاً في الرواية الشعبية.

وهذا مبدأ أساسي في «بلا فار».

العالم الذي جاء من أزمور… وذهب إلى الأندلس

من الأمور اللافتة في سيرة مولاي بوشعيب أن رحلته العلمية لم تكن محصورة في منطقة دكالة.

تذكر المصادر أنه ارتحل بين مدن مغربية مثل أغمات وفاس وأزمور، ووصل إلى إشبيلية وقرطبة في الأندلس، حيث التقى علماء عصره.

وهذا يعطينا صورة مختلفة عن أزمور في تلك الفترة.

مدينة تقع على ضفة أم الربيع، لكنها لم تكن معزولة ثقافياً.

بل كانت مرتبطة بعالم علمي أوسع يمتد من المغرب إلى الأندلس.

أزمور… مدينة العلم

مع ازدهار الحياة الدينية، أصبحت أزمور فضاءً يستقطب العلماء والطلبة وأهل التصوف.

ولم يكن هذا الأمر غريباً على المدن المغربية في ذلك العصر.

فالمسجد لم يكن مكاناً للصلاة فقط.

كان مدرسة.

ومجلساً للعلم.

ومكاناً لتعليم القرآن.

ومركزاً لتداول المعرفة.

وهكذا بدأت أزمور تبني جانباً آخر من شخصيتها:

أزمور المدينة العلمية والروحية.

نهاية المرابطين… وبداية حكاية جديدة

لكن التاريخ لا يتوقف.

في القرن الثاني عشر بدأت قوة المرابطين تتراجع، وظهرت حركة الموحدين التي ستصبح القوة السياسية الجديدة في المغرب.

وفي سنة 1147م دخل الموحدون مراكش، منهين الحكم المرابطي في المغرب.

وكانت أزمور أمام مرحلة جديدة.

لكن هذه المرة لن تكون مجرد مدينة تحت سلطة دولة جديدة.

بل ستعرف خلال العصر الموحدي مرحلة من الازدهار العمراني والاقتصادي، وستتخذ مكانة إقليمية مهمة. وتصف الدراسات أزمور في العصر الموحدي بأنها عرفت أوجاً مهماً، مع استمرار علاقاتها التجارية مع شبه الجزيرة الإيبيرية.

ومولاي بوشعيب… بين عهدين

وهنا تصبح قصة مولاي بوشعيب أكثر إثارة.

فهو عاش في المرحلة التي كانت فيها الدولة المرابطية تقترب من نهايتها، ثم عاصر بدايات العصر الموحدي.

وتذكر المصادر أنه توفي سنة 561هـ، أي في منتصف القرن السادس الهجري، خلال العهد الموحدي.

أي أن الرجل عاش في لحظة انتقال تاريخية كبرى:

من دولة المرابطين…

إلى دولة الموحدين.

ومن هنا يمكن فهم المكانة التي احتلها لاحقاً في ذاكرة أزمور.

حين واجه العالم السلطة

تروي المصادر القديمة روايات عن علاقة مولاي بوشعيب بالسلطة المرابطية، وعن تعرضه لمشاكل مع مسؤولين في أزمور، كما تذكر مصادر أخرى أنه توجه إلى مراكش بعد دخول الموحدين إليها.

لكن هذه الأخبار تحتاج إلى قراءة نقدية، لأنها وصلت إلينا عبر روايات ومصادر تاريخية متأخرة.

والثابت أن مولاي بوشعيب كان شخصية دينية مؤثرة في تلك المرحلة، وأن اسمه ارتبط بأزمور بشكل قوي ومستمر.

أزمور لا تنتهي بسقوط دولة

سقط المرابطون.

وجاء الموحدون.

لكن أزمور بقيت.

وهذه الجملة ستتكرر كثيراً في تاريخ المدينة:

تتغير الدول… وتتغير الأعلام… وتتغير السلطة… أما أزمور فتواصل الحكاية.

وهذا الاستمرار هو الذي جعل المدينة تراكم طبقات تاريخية متعددة.

مرابطية…

موحدية…

مرينية…

وطاسية…

ثم مرحلة الاحتلال البرتغالي.

كل مرحلة تركت شيئاً.

وكل عصر أضاف حجراً إلى ذاكرة المدينة.

ماذا بقي من العصر المرابطي؟

السؤال الذي يطرحه القارئ اليوم:

هل نستطيع رؤية آثار المرابطين في أزمور؟

الإجابة تحتاج إلى الحذر.

فالكثير من المباني التي نراها اليوم خضعت لإعادة البناء والتعديل عبر قرون.

كما أن تحديد تاريخ كل معلمة يحتاج إلى دراسة أثرية دقيقة.

لكن الدراسات الأثرية الحديثة تؤكد أن أزمور كانت مدينة إسلامية مزدهرة قبل البرتغاليين، وأن بقايا أسوار وأبراج وتقنيات بناء ترابية تكشف عن حجم عمراني أوسع مما بقي داخل المدينة العتيقة الحالية.

وهذا يعني أن أزمور التي وصل إليها البرتغاليون سنة 1513 لم تكن وليدة تلك اللحظة.

كانت مدينة ذات تاريخ إسلامي طويل.

أزمور… من مدينة المرابطين إلى عاصمة إقليمية

ومع انتقال المغرب إلى العصر الموحدي، ستزداد أهمية أزمور.

وتشير الدراسات إلى أن المدينة بلغت أوجاً مهماً خلال العصر الموحدي، وأصبحت عاصمة إقليمية، كما حافظت على علاقاتها التجارية مع شبه الجزيرة الإيبيرية.

وهنا نكون قد وصلنا إلى واحدة من أهم مراحل تاريخ المدينة.

مرحلة ستصبح فيها أزمور:

مدينة مزدهرة.

مركزاً إقليمياً.

مدينة تجارية.

ومجالاً ثقافياً وروحياً.

من هنا تبدأ حكاية جديدة

الحلقة الخامسة لم تكن فقط عن المرابطين.

كانت عن التحول.

عن مدينة خرجت من مرحلة برغواطة والأدارسة، ودخلت في مشروع الدولة المرابطية.

وعن رجل سيصبح اسمه مرتبطاً بأزمور إلى اليوم:

مولاي بوشعيب السارية.

لكننا لم نحكِ قصته كاملة بعد.

لأن قصة هذا الرجل تحتاج إلى حلقة مستقلة.

🟠 كلمة «بلا فار»

التاريخ الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة.

يكفي أن نكتشف ما تركه لنا.

أزمور في العصر المرابطي لم تكن مجرد مدينة صغيرة على ضفة نهر.

كانت جزءاً من التحولات الكبرى التي عرفها المغرب، ومجالاً للعلم والتجارة والحركة، واحتضنت شخصية روحية أصبحت جزءاً من هويتها إلى اليوم.

والأجمل أن هذه الحكاية ما زالت حاضرة.

كلما مررنا من أزقة أزمور…

كلما وقفنا أمام أسوارها…

كلما نظرنا إلى أم الربيع…

وكلما ذكرنا اسم مولاي بوشعيب…

فإننا، بطريقة أو بأخرى، نستحضر جزءاً من ذلك التاريخ.

🔜 الحلقة السادسة

مولاي بوشعيب السارية… الرجل الذي أصبح جزءاً من روح أزمور

من هو أبو شعيب أيوب بن سعيد؟

أين ولد؟

أين تعلم؟

من هم شيوخه؟

لماذا ارتبط بأزمور؟

ما علاقته بالمرابطين والموحدين؟

وكيف تحولت سيرته إلى واحدة من أشهر الذاكرات الروحية في المدينة؟

غداً نفتح واحدة من أكثر صفحات تاريخ أزمور إثارة…

«مولاي بوشعيب… حكاية الولي الذي لا تزال أزمور تنادي باسمه»

يتبع…

#بلا_فار | #أزمور | #تاريخ_أزمور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button