“بلا ڤار”أخبار

أزمور والبرتغاليون… يوم وصلت الحرب إلى أسوار المدينة

🟠 بلا فار | الحلقة التاسعة

سلسلة «بلا فار» | أزمور… حكاية مدينة

بقلم : سعيد حركات | USA TV |

في الحلقات السابقة، عشنا مع أزمور مراحل طويلة من تاريخها؛ من جذورها الأولى، إلى العصر المرابطي، ثم الموحدي، فالمريني، حين أصبحت المدينة مركزاً للعلم والتجارة والعمران.

لكن التاريخ كان يخبئ لأزمور واحداً من أصعب فصولها.

ففي بداية القرن السادس عشر، بدأت القوى البرتغالية تتوسع على الساحل المغربي، ولم تكن أزمور خارج حساباتها.

بل كانت من أهم المدن التي أرادت البرتغال السيطرة عليها.

والسبب واضح:

مدينة غنية… نهر استراتيجي… أراضٍ فلاحية… موقع أطلسي… وقرب من طرق الداخل المغربي.

ومن هنا بدأت المواجهة.


⚔️ البرتغاليون يقتربون من أزمور

لم يكن اهتمام البرتغاليين بأزمور وليد سنة 1513.

فمنذ 1486 أصبحت المدينة مرتبطة باتفاق مع البرتغال، مع التزامها بأداء الجزية، في إطار علاقة وصفها المؤرخون بأنها نوع من التبعية مع احتفاظ المدينة بقدر من الاستقلال.

لكن هذه العلاقة لم تكن مستقرة.

فالمدينة وسكانها لم يكونوا مجرد تابعين هادئين لقوة أجنبية.

كانت هناك مصالح متضاربة، ومساومات، ورفض أحياناً لأداء ما تطالب به البرتغال.

ومع بداية القرن السادس عشر، أصبح البرتغاليون أكثر طموحاً.

لم يعودوا يريدون التجارة فقط.

كانوا يريدون السيطرة على المدن والموانئ والمجالات المحيطة بها.


🌊 لماذا أزمور بالذات؟

هنا يجب أن نتوقف عند الجغرافيا.

أزمور ليست مجرد مدينة على الساحل.

إنها مدينة على أم الربيع.

والنهر يفتح الطريق نحو الداخل.

وخلف المدينة توجد أراضٍ فلاحية واسعة.

أما المحيط الأطلسي فيمنحها اتصالاً بالعالم الخارجي.

ولهذا كانت السيطرة على أزمور تعني بالنسبة للبرتغاليين أكثر من السيطرة على مدينة واحدة.

كانت تعني امتلاك موقع يمكن أن يكون قاعدة للتوسع في دكالة والداخل المغربي.

وتشير الدراسات إلى أن البرتغاليين نظروا إلى أزمور باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع لتثبيت نفوذهم في المغرب وربط مراكزهم الساحلية.


🛡️ أزمور ليست مدينة بلا دفاع

وهنا يجب أن نصحح صورة قد تكون شائعة.

البرتغاليون لم يصلوا إلى أزمور فوجدوا مدينة بلا حماية.

كانت أزمور مدينة قديمة، ذات أسوار وتحصينات، ولها مجتمع ومؤسسات واقتصاد.

وكانت المدينة تعرف أهمية موقعها جيداً.

لكن المشكلة لم تكن في الأسوار وحدها.

المغرب نفسه كان يعيش مرحلة سياسية صعبة، والدولة الوطاسية كانت تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، بينما كانت البرتغال قد راكمت خبرة عسكرية وبحرية كبيرة على السواحل المغربية.


🔥 سنة 1508… المحاولة الأولى

قبل الاحتلال النهائي، جاءت مواجهة مهمة.

في سنة 1508 تحرك البرتغاليون ضد أزمور.

وتختلف التفاصيل بين المصادر حول طبيعة هذه الحملة ونتائجها الدقيقة، لكن الثابت أن العلاقة بين أزمور والبرتغاليين دخلت مرحلة أكثر توتراً، وأن السيطرة العسكرية الكاملة لم تتحقق آنذاك.

وهنا بدأت البرتغال تفهم شيئاً:

أزمور لن تكون سهلة.

لكنها لم تتراجع عن هدفها.

بل عادت بعد سنوات قليلة بقوة أكبر.


👑 مانويل الأول يقرر الحسم

كان ملك البرتغال آنذاك:

مانويل الأول

وكان مشروعه في المغرب يتجاوز التجارة.

فالبرتغال كانت تعمل على إنشاء سلسلة من المراكز والقلاع الساحلية، بهدف تثبيت نفوذها وفتح الطريق أمام التوسع داخل البلاد.

وبعد السيطرة على مواقع أخرى مثل آسفي سنة 1508، أصبحت أزمور هدفاً أكثر إلحاحاً.

وفي النهاية صدر القرار:

أزمور يجب أن تسقط.


⚔️ سنة 1513… الحملة الكبرى

في شهر أغسطس من سنة 1513 تحركت قوة برتغالية ضخمة باتجاه أزمور بقيادة:

جايمي، دوق براغانزا

وكانت الحملة واحدة من أكبر الحملات البرتغالية في المغرب خلال تلك المرحلة.

وتذكر المصادر أرقاماً مختلفة حول حجم القوات والسفن، وهو أمر طبيعي في المصادر العسكرية القديمة، لكن المؤكد أنها كانت قوة كبيرة جداً، تضم جنوداً وفرساناً وأسطولاً بحرياً ضخماً.

وكان الهدف واضحاً:

احتلال أزمور.


🏹 أزمور تستعد

كان سكان المدينة أمام قوة عسكرية تفوقهم عدداً وعتاداً.

وكانت الأسوار والحصون هي خط الدفاع الأول.

ومن فوقها كان يمكن للمدافعين مراقبة تحركات القوات القادمة.

أما من جهة النهر والبحر، فقد كان الأسطول البرتغالي يشكل ضغطاً إضافياً.

لقد أصبحت أزمور محاصرة بين:

البر والبحر.


🏰 أسوار أزمور أمام الجيش البرتغالي

تصف بعض المصادر التاريخية والأبحاث أزمور في تلك الفترة بأنها كانت مدينة محصنة بأسوار وأبراج وقصبة، وهو ما يعكس أهميتها العسكرية والعمرانية.

لكن الحرب لا تحسمها الأسوار دائماً.

فالعامل السياسي كان حاضراً بقوة.

والدولة المركزية كانت ضعيفة.

والبرتغاليون كانوا يملكون قوة بحرية كبيرة.

كما أن سكان المدينة لم يكونوا جميعاً على موقف واحد من التطورات السياسية والعسكرية.

وهنا بدأت الموازين تميل.


🚪 أزمور تفتح أبوابها

في أواخر أغسطس وبداية سبتمبر سنة 1513 وصلت الحملة إلى المدينة.

وتختلف المصادر في تفاصيل الأيام الأخيرة، وفي طبيعة خروج السكان ودخول القوات البرتغالية.

لكن الثابت تاريخياً أن المدينة أصبحت تحت السيطرة البرتغالية سنة 1513، بعد أن غادرها عدد كبير من سكانها.

وهكذا انتهى فصل طويل.

ودخلت أزمور مرحلة جديدة تماماً.


🇵🇹 أزمور البرتغالية

لم يكن البرتغاليون يريدون فقط دخول المدينة.

كانوا يريدون إعادة تشكيلها.

أقيمت تحصينات جديدة.

وتغير جزء من المجال العمراني.

وأدخلت عناصر معمارية وعسكرية جديدة.

وتحولت أزمور إلى مدينة محصنة داخل شبكة المراكز البرتغالية على الساحل المغربي.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الاحتلال البرتغالي أحدث تحولات عسكرية وعمرانية واضحة في المدينة، وأن البرتغاليين حاولوا خلق فضاء عمراني جديد داخل أزمور.


🧱 مدينة فوق مدينة

وهنا تبدأ أزمور التي نعرفها اليوم في الكشف عن سر جديد.

فداخل المدينة الحالية توجد طبقات من التاريخ:

أزمور الإسلامية…

ثم أزمور البرتغالية…

ثم أزمور التي عادت إلى المجال المغربي.

ولهذا فإن بعض الأزقة والأسوار والأبراج لا يمكن فهمها دون معرفة هذا التداخل التاريخي.

كل حجر يمكن أن يحمل قصة.

وكل باب قد يكون شاهداً على مرحلة.


⚠️ لكن الاحتلال لم يكن نهاية القصة

قد يبدو أن سقوط المدينة سنة 1513 يعني انتهاء المقاومة.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

فالبرتغاليون سيكتشفون سريعاً أن السيطرة على الأسوار لا تعني السيطرة على المنطقة كلها.

فخارج المدينة كانت القبائل والمجالات المجاورة تملك قدرة على الضغط والمقاومة.

كما أن العلاقات بين السكان والسلطة البرتغالية لم تكن دائماً مستقرة.

وتشير الدراسات إلى أن البرتغاليين واجهوا واقعاً صعباً في أزمور، فلم تستقطب المدينة عدداً كبيراً من المستوطنين البرتغاليين، ولم تعرف الحياة الاقتصادية النشاط الذي كانوا يأملونه.


💰 مدينة غنية… لكن الاحتلال مكلف

كانت أزمور مهمة اقتصادياً بسبب محيطها الزراعي والثروة المرتبطة بالنهر والصيد والتجارة.

لكن تحويل المدينة إلى قاعدة عسكرية كان مكلفاً.

كان على البرتغاليين أن يحافظوا على الحامية.

وأن يؤمنوا الطرق.

وأن يتعاملوا مع السكان.

وأن يواجهوا المقاومة خارج الأسوار.

وهكذا أصبحت أزمور بالنسبة إليهم:

مكسباً استراتيجياً… ومشكلة مستمرة.


⚔️ أزمور تتحول إلى جبهة مقاومة

بعد الاحتلال، لم تتوقف المواجهة.

بل بدأت مرحلة جديدة:

الحصار.

الغارات.

الضغط الاقتصادي.

والمقاومة المسلحة.

وتشير مصادر تاريخية إلى أن المغاربة، وخصوصاً الوطاسيين ثم السعديين، واصلوا الضغط على المراكز البرتغالية، وأن أزمور ظلت هدفاً للمقاومة.

لم تعد المعركة فقط من أجل المدينة.

بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول مستقبل الساحل المغربي.


🔥 أزمور ليست وحدها

في الفترة نفسها كان البرتغاليون يسيطرون على عدد من المراكز الساحلية.

آسفي…

أزمور…

ثم الجديدة/مازاغان وغيرها.

وكان المشروع البرتغالي يسعى إلى ربط هذه المراكز وتوسيع نفوذه نحو الداخل.

لكن المقاومة المغربية جعلت هذا المشروع أكثر صعوبة.

ولهذا ستصبح أزمور جزءاً من حرب طويلة بين:

المراكز البرتغالية

و

القوى المغربية المقاومة.


🕯️ 28 سنة من الاحتلال

استمر الوجود البرتغالي الفعلي في أزمور حوالي 28 سنة.

وفي سنة 1541، وبعد تصاعد المقاومة وتغير الوضع العسكري في المغرب، قررت البرتغال التخلي عن المدينة.

وتؤكد الدراسات أن قرار الإخلاء جاء في سياق تراجع المشروع البرتغالي في المغرب، خاصة بعد سقوط أكادير في يد السعديين سنة 1541.

وفي أكتوبر من السنة نفسها صدر الأمر البرتغالي بإخلاء أزمور.

وهكذا انتهى الاحتلال.

لكن المدينة كانت قد تغيرت.


🇲🇦 أزمور تعود إلى المجال المغربي

بعد سنوات طويلة من الوجود البرتغالي، عادت أزمور إلى المجال المغربي.

لكن آثار المرحلة لم تختف.

فالبرتغاليون تركوا بصمتهم في:

التحصينات…

العمران…

الذاكرة…

والوثائق.

وأصبحت أزمور مثالاً واضحاً على التقاء الحضارتين المغربية والبرتغالية في فضاء واحد، أحياناً بالتجارة والتبادل، وأحياناً بالحرب والصراع.


🟠 بلا فار… ماذا نتعلم من هذه المرحلة؟

أولاً:

أزمور لم تسقط لأنها كانت مدينة ضعيفة.

بل لأنها كانت تعيش في مرحلة سياسية صعبة، أمام قوة عسكرية وبحرية كبيرة، وفي سياق إقليمي ودولي معقد.

ثانياً:

الاحتلال البرتغالي لم يكن نهاية أزمور.

بل كان فصلاً من فصول تاريخها.

وثالثاً:

المقاومة لم تبدأ بعد الاحتلال فقط.

بل كانت نتيجة طبيعية لصراع طويل حول الأرض والتجارة والسيادة.


🌊 أزمور… المدينة التي رفضت أن تموت

دخل البرتغاليون.

وبنوا تحصيناتهم.

ورفعوا أعلامهم.

لكنهم لم يستطيعوا أن يمحوا ذاكرة المدينة.

بعد 28 سنة غادروا.

وبقيت أزمور.

وبقيت أم الربيع.

وبقيت الأسوار.

وبقيت الأزقة.

وبقيت الحكاية.

وهذا هو أجمل ما في تاريخ أزمور:

أن المدينة كانت دائماً أكبر من كل قوة حاولت امتلاكها.


🔜 الحلقة العاشرة من «بلا فار»

🟠 أزمور تحت الحكم البرتغالي… مدينة مغربية بوجه جديد

كيف كانت الحياة داخل أزمور أثناء الاحتلال؟

كيف أعاد البرتغاليون بناء تحصيناتها؟

أين كان يعيش المسلمون؟

وماذا عن اليهود؟

كيف كانت علاقة السكان بالبرتغاليين؟

وكيف أصبحت أزمور فضاءً تلتقي فيه الثقافة المغربية والبرتغالية واليهودية؟

ثم كيف بدأت المقاومة تضيق الخناق على الحامية البرتغالية؟

الحلقة القادمة سنعيش فيها أزمور من الداخل…

ليس يوم الاحتلال فقط، بل كيف عاش أهلها سنوات الاحتلال.

يتبع…

#بلا_فار | #أزمور | #تاريخ_أزمور | #البرتغاليون | #1513 | #أم_الربيع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button