“بلا ڤار”أخبار

أزمور والأدارسة… عندما دخلت المدينة في قلب الدولة المغربية

🟠 بلا فار | الحلقة الرابعة

سلسلة «بلا فار» | بقلم : سعيد حركات | usa tv |

في الحلقة الثالثة، عدنا إلى ما قبل برغواطة، وحاولنا أن نقترب من البدايات الأولى لأزمور، مع التمييز بين ما تؤكده الأدلة وما بقي في دائرة الروايات والفرضيات.

أما اليوم، فنصل إلى محطة جديدة من تاريخ المدينة:

أزمور والأدارسة.

فمع قيام الدولة الإدريسية في أواخر القرن الثامن الميلادي، بدأت الخريطة السياسية للمغرب تتغير بشكل كبير. وفي سنة 789م تقريباً قامت الدولة الإدريسية بقيادة إدريس بن عبد الله، ثم تطورت في عهد ابنه إدريس الثاني، الذي جعل من فاس مركزاً رئيسياً لحكمه.

لكن أين كانت أزمور من هذه التحولات؟

وهل دخلت فعلاً تحت نفوذ الأدارسة؟

وكيف أصبح اسمها مرتبطاً بأحد أبناء إدريس الثاني؟

هذه هي حكاية الحلقة الرابعة.

المغرب قبل الأدارسة… أرض متعددة القوى

حتى نفهم موقع أزمور في المرحلة الإدريسية، علينا أن نتذكر أن المغرب في نهاية القرن الثامن الميلادي لم يكن دولة موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم.

كانت هناك قبائل وقوى محلية وكيانات سياسية مختلفة، من بينها برغواطة في المجال الأطلسي، إلى جانب قوى أخرى ظهرت في مناطق مختلفة من المغرب.

ثم ظهر إدريس بن عبد الله، الذي وصل إلى المغرب سنة 788م تقريباً، وتمكن من بناء نواة دولة جديدة، قبل أن يخلفه ابنه إدريس الثاني.

ومع مرور الوقت، توسع نفوذ الأدارسة، وأصبحت فاس مركزاً سياسياً وحضارياً مهماً.

لكن المجال الأطلسي لم يكن كله خاضعاً بالطريقة نفسها للحكم الإدريسي.

وهنا تظهر أهمية أزمور.

أزمور تدخل المصادر الإسلامية

من النقاط اللافتة في تاريخ المدينة أن اسم أزمور يبدأ بالظهور بشكل أوضح في المصادر العربية الإسلامية ابتداءً من القرن التاسع الميلادي.

وتذكر مصادر تاريخية أن المدينة كانت ضمن المناطق التي ارتبطت بالتقسيم السياسي الذي أعقب وفاة إدريس الثاني.

لكن يجب هنا الانتباه إلى أمر مهم:

التقسيم الإدريسي لم يكن بالضرورة إدارة مركزية موحدة لكل منطقة بالطريقة الحديثة.

فبعد وفاة إدريس الثاني سنة 828م، قام ابنه وخليفته محمد بتوزيع مناطق النفوذ على عدد من إخوته، وهو ما أدى لاحقاً إلى ضعف الدولة وتعدد مراكز السلطة داخل البيت الإدريسي.

ومن بين هؤلاء الإخوة:

عيسى بن إدريس

وتذكر روايات تاريخية أن عيسى تولى الإشراف على سلا وأزمور والمجال المحيط بهما.

وتورد مصادر تاريخية أن محمد بن إدريس أسند إلى عيسى إدارة سلا وأزمور، قبل أن تدخل هذه المنطقة في صراعات بين أبناء البيت الإدريسي.

وهنا تصبح أزمور جزءاً من قصة سياسية أكبر من حدودها المحلية.

أزمور وعيسى بن إدريس

كان عيسى بن إدريس واحداً من أبناء إدريس الثاني.

وعندما تولى محمد بن إدريس الحكم بعد وفاة والده، قام بتوزيع عدد من مناطق الدولة بين إخوته.

فكان لكل أمير مجال نفوذ خاص.

وفي هذا السياق ارتبط اسم عيسى بـ:

سلا… أزمور… والمجال الساحلي المحيط بهما.

لكن الأمور لم تستمر بهدوء.

فالصراع على السلطة بين أبناء إدريس الثاني بدأ يظهر بسرعة، وتحولت عملية توزيع المناطق من وسيلة لتنظيم الحكم إلى أحد أسباب التفكك السياسي للدولة.

أزمور تدخل في الصراع داخل البيت الإدريسي

وهنا تصبح أزمور أكثر من مجرد مدينة تحت إدارة أمير.

فالمصادر التاريخية تروي أن عيسى بن إدريس تمرد على أخيه محمد ورفض سلطته، وأن الصراع بينهما انتهى بتدخل أخيهما عمر، الذي تمكن من هزيمة عيسى وإخراجه من مناطق نفوذه.

وهذه الحادثة تكشف لنا شيئاً مهماً:

أزمور كانت بالفعل ذات قيمة سياسية.

فلو كانت مجرد منطقة هامشية، لما كان الصراع على مجالها بهذه الأهمية.

كان التحكم في المدن والمناطق الساحلية يعني التحكم في:

الموارد…

الطرق…

الزراعة…

والاتصال بالمجالات التجارية.

وهذا يفسر استمرار أهمية أزمور في القرون اللاحقة.

ولكن… هل حكم الأدارسة أزمور بشكل مستقر؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

من السهل أن نكتب:

«كانت أزمور مدينة إدريسية.»

لكن التاريخ أكثر تعقيداً.

فالوجود الإدريسي في المنطقة لم يكن مستقراً طوال الفترة نفسها، كما أن المجال الأطلسي كان يعرف تنافساً بين قوى محلية مختلفة.

وتشير الدراسات إلى أن برغواطة ظلت قوة أساسية في المجال الأطلسي، وأنها كانت من الكيانات التي بقيت خارج السيطرة الإدريسية الكاملة في مراحل مهمة.

لذلك فالأدق أن نقول:

دخلت أزمور ومجالها في دائرة النفوذ الإدريسي خلال مراحل من القرن التاسع، لكنها ظلت ضمن مجال سياسي شديد التعقيد عرف تنافساً بين الأدارسة وقوى محلية أخرى، وعلى رأسها برغواطة.

وهذا التفصيل مهم جداً لفهم تاريخ المدينة.

أزمور بين الأدارسة وبرغواطة

تخيلوا خريطة المغرب في ذلك الوقت.

في الشمال والوسط:

الأدارسة.

وفي المجال الأطلسي:

برغواطة.

وبين القوى المختلفة توجد مدن وطرق ومناطق زراعية ومراكز تجارية.

وأزمور كانت تقع في مجال بالغ الحساسية:

على أم الربيع…

قريبة من المحيط…

وعلى تخوم المجالات التي كانت تتنافس عليها القوى السياسية.

لذلك لم يكن تاريخ أزمور خلال هذه الفترة مستقراً.

كانت المدينة جزءاً من لعبة سياسية واسعة.

النهر… مرة أخرى يصنع السياسة

في الحلقة الثالثة قلنا إن أم الربيع كان أحد أهم أسباب استمرار أزمور.

وفي هذه الحلقة نكتشف أن النهر لم يكن مهماً اقتصادياً فقط.

بل كان مهماً سياسياً وعسكرياً أيضاً.

فمن يسيطر على مدينة تقع على نهر كبير وقريبة من الساحل، يمتلك موقعاً يمكن أن يخدمه في:

الحركة…

الزراعة…

تأمين الموارد…

والتواصل مع المناطق الداخلية.

وهذا يفسر لماذا استمرت أزمور في جذب اهتمام القوى السياسية المتعاقبة.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن موقع المدينة على أم الربيع، وقربها من الساحل، كان له تأثير طويل الأمد في تطورها الاقتصادي والسياسي.

فاس تكبر… وأزمور تحافظ على أهميتها

في عهد إدريس الثاني أصبحت فاس مركزاً رئيسياً للدولة الإدريسية، ثم تطورت لتصبح واحدة من أهم مدن المغرب.

لكن صعود فاس لم يكن يعني اختفاء المدن الأخرى.

فالمغرب الإدريسي كان شبكة من المراكز والمناطق المختلفة.

وأزمور، بحكم موقعها الأطلسي، ظلت مرتبطة بالمجال الساحلي والزراعي والتجاري.

وهنا نكتشف إحدى خصائص تاريخ المدينة:

أزمور لم تكن دائماً عاصمة دولة، لكنها كانت دائماً مدينة ذات قيمة.

وهذا ربما أهم من لقب «العاصمة».

بعد إدريس الثاني… بداية التفكك

عندما توفي إدريس الثاني سنة 828م، بدأت مرحلة جديدة.

كان ابنه محمد هو الذي تولى الحكم، لكنه وزع مناطق النفوذ بين إخوته.

وهذه السياسة ساهمت في ظهور مراكز قوة متعددة داخل الدولة الإدريسية نفسها.

وكان من نتائج ذلك أن أصبحت بعض المناطق مرتبطة بأمراء محليين من الأسرة الإدريسية.

ومن بينها المجال المرتبط بأزمور.

لكن مع مرور العقود، ضعفت السلطة المركزية، وأصبح من الصعب على الدولة الإدريسية المحافظة على نفوذها في جميع المناطق.

وهنا بدأت أزمور تدخل مرحلة جديدة من تاريخها.

من الأدارسة إلى عصر الاضطراب

لم يكن سقوط النفوذ الإدريسي في المنطقة حدثاً يقع في يوم واحد.

بل كان نتيجة سلسلة من التحولات والصراعات.

ومع تراجع الدولة الإدريسية، دخل المغرب مرحلة من التنافس بين قوى مختلفة.

في المجال الأطلسي استمرت برغواطة بقوة.

وفي مناطق أخرى ظهرت قوى زناتية وغيرها.

ثم جاء القرن الحادي عشر حاملاً معه قوة جديدة ستغير تاريخ المغرب:

المرابطون.

المرابطون يقتربون من أزمور

في منتصف القرن الحادي عشر، بدأ نفوذ المرابطين يتوسع في المغرب.

وسقطت تدريجياً مراكز وقوى كانت تسيطر على أجزاء مختلفة من البلاد.

وفي النهاية أصبحت أزمور ضمن المجال الذي وصل إليه المرابطون.

وتشير روايات تاريخية إلى استقرار المرابطين بأزمور في القرن الحادي عشر، مع ارتباط المدينة لاحقاً بمرحلة مهمة من تاريخها الروحي والثقافي.

وهنا ستبدأ حكاية جديدة تماماً.

حكاية مدينة ستعرف مرحلة من الازدهار…

وسنصل فيها إلى اسم أصبح مرتبطاً بأزمور إلى اليوم:

مولاي بوشعيب الرداد.

لكن قبل أن نصل إليه، علينا أن نتوقف عند المرابطين أنفسهم.

ماذا بقي من العصر الإدريسي في أزمور؟

قد يبحث القارئ اليوم عن «قصر إدريسي» أو «سور إدريسي» داخل أزمور.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

فالمدينة تعرضت خلال القرون اللاحقة لإعادة البناء والتوسع والهدم والتحصين.

كما أن كثيراً من المعالم التي نراها اليوم تعود إلى فترات تاريخية متأخرة.

ولهذا لا يمكن أن ننسب أي مبنى قديم في المدينة مباشرة إلى الأدارسة من دون دليل أثري أو تاريخي واضح.

لكن الأهم هو أن المرحلة الإدريسية أدخلت أزمور في مجال الدولة المغربية الناشئة، وربطت اسمها بالصراع على النفوذ في الساحل الأطلسي.

وهذه بحد ذاتها صفحة مهمة من تاريخها.

أزمور… المدينة التي كانت دائماً في المكان الخطأ والمكان الصحيح

قد تبدو العبارة غريبة.

لكن موقع أزمور كان نعمة ونقمة في الوقت نفسه.

كان نعمة لأنه منحها:

🌊 القرب من المحيط

🌿 الأراضي الزراعية

💧 أم الربيع

🛤️ طرق الحركة والتجارة

وكان نقمة لأنه جعلها مطمعاً للقوى السياسية والعسكرية.

كل دولة تصعد كانت تنظر إلى أزمور.

وكل قوة تسيطر على الساحل كانت تعرف قيمة المدينة.

ولهذا سنجد هذا الأمر يتكرر لاحقاً مع:

المرابطين…

الموحدين…

المرينيين…

الوطاسيين…

ثم البرتغاليين.

من الأدارسة إلى المرابطين… أزمور لا تتوقف

وهكذا تنتهي مرحلة وتبدأ أخرى.

الأدارسة أسسوا أول دولة مغربية كبرى في العصر الإسلامي المبكر، وكانت أزمور ومجالها جزءاً من التحولات السياسية التي رافقت توسعهم وتفكك نفوذهم.

لكن سقوط الأدارسة لم يسقط أزمور.

مرة أخرى تثبت المدينة أنها أكبر من الدولة التي تحكمها.

الدول تتغير… وأزمور تبقى.

كلمة «بلا فار»

في هذه الحلقة، لا نريد أن نقول إن أزمور كانت «إدريسية» فقط.

بل نريد أن نفهم كيف دخلت المدينة في المشهد السياسي المغربي في القرن التاسع الميلادي، وكيف ارتبط اسمها بعيسى بن إدريس والصراعات التي أعقبت وفاة إدريس الثاني.

والأهم أننا نريد أن نفرق بين:

النفوذ السياسي…

والحكم المباشر…

والوجود الإداري…

لأن التاريخ لا يكتب بالشعارات، وإنما بالتفاصيل.

وأزمور تستحق أن نقرأ تفاصيلها.

الحلقة القادمة…

بعد الأدارسة، يدخل تاريخ أزمور مرحلة جديدة.

مرحلة المرابطين.

مرحلة الدولة التي جعلت من مراكش عاصمة، ووحدت أجزاء واسعة من المغرب والأندلس.

لكن السؤال:

كيف وصلت أزمور إلى يد المرابطين؟

وماذا حدث للمدينة خلال القرن الحادي عشر؟

ومن هو الرجل الذي ستصبح قصته جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة أزمور؟

🟠 الحلقة الخامسة من «بلا فار»

أزمور والمرابطون… حين وصلت المدينة إلى عصر جديد

ومن هنا تبدأ حكاية مولاي بوشعيب الرداد…

**يتبع…**

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button