أزمور… مدينة لا يشبه تاريخها تاريخ المدن

🟠 بلا فار | الحلقة الأولى

بقلم : سعيد حركات | USA TV |
هناك مدن تمرّ من التاريخ…
وهناك مدن يمرّ التاريخ من داخلها.
وأزمور واحدة منها.
مدينة تستلقي على ضفاف أم الربيع، غير بعيدة عن المحيط الأطلسي، وتحتفظ بين أسوارها وأزقتها وبيوتها القديمة بذاكرة تمتد عبر قرون طويلة.
حين تمشي في أزمور العتيقة، لا تمشي فقط في شوارع مدينة مغربية قديمة؛ أنت تمشي فوق طبقات متراكمة من التاريخ.
هنا مرّ الأمازيغ.
وهنا تشكلت ملامح مبكرة من تاريخ المغرب الإسلامي.
وهنا كان لبرغواطة حضور قوي.
وهنا مرّ المرابطون والموحدون وغيرهم من القوى التي صنعت تاريخ المغرب.
وهنا، في القرن السادس عشر، وصل البرتغاليون، فدخلت المدينة واحدة من أكثر مراحل تاريخها اضطراباً.
ثم خرجوا…
وبقيت أزمور.
بقيت الأسوار.
بقيت القصبة.
بقيت الأبراج.
بقيت الحكايات.
وبقي أم الربيع شاهداً على كل ذلك.
من أين تبدأ حكاية أزمور؟
ربما يكون هذا أول سؤال يطرحه القارئ:
متى تأسست أزمور؟
والجواب ليس بسيطاً.
فأزمور ليست مدينة ولدت في تاريخ محدد ثم بدأت قصتها.
الموقع عرف الاستقرار البشري منذ عصور قديمة، ثم تطورت أهميته تدريجياً بفعل موقعه الجغرافي وقربه من النهر والمحيط والمجالات الزراعية.
أما أزمور كمدينة ذات حضور واضح في المصادر التاريخية الإسلامية، فقد برزت تدريجياً ضمن التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب.
وهنا تبدأ الحكاية التي سنفككها حلقة بعد أخرى.
أزمور وبرغواطة… أولى الصفحات الكبرى
من أهم المحطات التي سنعود إليها بالتفصيل في الحلقات القادمة علاقة أزمور ببرغواطة.
فبرغواطة لم تكن مجرد قبيلة أو تجمع سكاني عابر، بل كانت كياناً سياسياً ودينياً أمازيغياً ظهر في المغرب الأقصى خلال القرن الثامن الميلادي، وفرض نفوذه على مجال واسع من منطقة الأطلسي.
وكانت أزمور من المراكز المهمة داخل هذا المجال.
وتذكر بعض الروايات التاريخية أنها اتخذت عاصمة لبرغواطة.
وهنا تظهر أهمية أزمور مبكراً:
لم تكن مدينة هامشية على أطراف الأحداث، بل كانت في قلب واحدة من أهم التجارب السياسية التي عرفها المغرب في القرون الأولى.
لكن قصة أزمور مع برغواطة لا يمكن اختصارها في فقرة واحدة.
لذلك سيكون لها موعد خاص في الحلقة الثانية.
أم الربيع… النهر الذي صنع مدينة
لو أردنا أن نختصر أزمور في صورة واحدة، فربما ستكون الصورة:
مدينة + نهر + أسوار + محيط.
أم الربيع ليست مجرد نهر يمر بجانب المدينة.
لقد كان وجوده أحد العوامل الأساسية التي ساعدت على نشوء الحياة والاستقرار والنشاط الزراعي والاقتصادي في المنطقة.
وعبر التاريخ، ارتبطت حياة الأزموريين بالنهر ارتباطاً وثيقاً.
الماء…
الزراعة…
الصيد…
الحركة…
والتجارة…
كلها عناصر جعلت من أم الربيع جزءاً من هوية أزمور.
ولهذا سنخصص حلقة كاملة لهذا النهر الذي يمكن القول إنه كان، وما يزال، شريان المدينة.
مدينة فتحت نوافذها على العالم
موقع أزمور منحها ميزة أخرى:
الانفتاح على المحيط الأطلسي.
ومن خلال الساحل والطرق التجارية، ارتبطت المدينة عبر فترات مختلفة بعلاقات مع مناطق أخرى من المغرب وخارجه.
وتشير المصادر إلى وجود علاقات تجارية بين أزمور ومناطق من شبه الجزيرة الإيبيرية خلال العصور الوسطى.
وهذا يعني أن أزمور لم تكن تعيش داخل حدودها فقط.
كانت جزءاً من شبكة أوسع من التبادل التجاري والبشري.
وهذا الانفتاح نفسه سيجعلها لاحقاً هدفاً للقوى الأوروبية التي كانت تتنافس على السيطرة على السواحل المغربية.
1513… السنة التي تغير فيها وجه أزمور
إذا كان تاريخ أزمور طويلاً، فإن سنة 1513 تبقى واحدة من أكثر السنوات حساسية في ذاكرتها.
في تلك السنة دخل البرتغاليون المدينة وفرضوا سيطرتهم عليها.
لم يكن الأمر مجرد احتلال مدينة.
كان جزءاً من مشروع برتغالي واسع للسيطرة على عدد من المراكز الساحلية المغربية.
وأزمور، بموقعها الاستراتيجي وثروتها الزراعية وصلتها بالمحيط، كانت هدفاً مهماً.
دخل البرتغاليون…
وتغيرت هندسة المدينة.
وتغيرت طبيعة بعض أجزائها.
وأقيمت تحصينات جديدة.
وظهرت القصبة البرتغالية.
وتحولت أزمور إلى فضاء تختلط فيه العمارة المغربية بالهندسة العسكرية البرتغالية.
لكن أزمور لم تستسلم طويلاً
الاحتلال البرتغالي لم يكن نهاية القصة.
بعد سنوات من الصراع، انتهى الوجود البرتغالي في المدينة سنة 1542 تقريباً.
خرج البرتغاليون…
لكنهم تركوا وراءهم حجارة تتحدث.
أسواراً.
أبراجاً.
قصبة.
وقبطانية.
وآثاراً عمرانية لا تزال شاهدة إلى اليوم على تلك المرحلة.
وهنا سنعود في إحدى الحلقات القادمة إلى سؤال مهم:
كيف كانت أزمور يوم دخلها البرتغاليون؟ وكيف عاش سكانها تلك المرحلة؟
مدينة الأولياء أيضاً
لكن أزمور ليست مدينة حروب فقط.
وراء الأسوار والقصبة والتاريخ العسكري، توجد أزمور الروحية.
مدينة ارتبط اسمها بالولي الصالح مولاي بوشعيب الرداد، الذي أصبح واحداً من أبرز الرموز الروحية للمدينة.
وهنا تبدأ قصة أخرى:
قصة الزوايا…
الأضرحة…
المواسم…
العادات…
والذاكرة الشعبية التي انتقلت من جيل إلى جيل.
فأزمور التي قاومت الجيوش، كانت أيضاً مدينة احتضنت العلماء والأولياء وأهل الصلاح.
أزمور… مدينة متعددة الذاكرة
من الخطأ أن نقرأ تاريخ أزمور من زاوية واحدة.
فالمدينة عرفت عبر تاريخها تفاعلاً بين مكونات بشرية وثقافية ودينية متعددة.
المسلمون…
اليهود…
والمسيحيون خلال الفترة البرتغالية…
كلهم تركوا آثاراً بدرجات مختلفة في تاريخ المدينة.
وهذا يجعل أزمور نموذجاً مهماً لفهم تاريخ المدن المغربية الساحلية، حيث لم تكن الحدود الثقافية مغلقة، بل كانت التجارة والهجرة والحرب والتعايش تصنع علاقات معقدة بين السكان.
ماذا بقي من أزمور القديمة؟
ربما أهم سؤال اليوم ليس:
ماذا حدث في أزمور؟
بل:
ماذا بقي من كل ما حدث؟
بقيت المدينة العتيقة.
بقي السور.
بقيت الأبراج.
بقيت القصبة.
بقيت القبطانية.
بقيت المعالم الدينية.
بقيت الأزقة.
وبقيت الذاكرة.
لكن جزءاً من هذا التراث يحتاج إلى حماية وتوثيق وترميم.
لأن المدينة التي لا تحفظ ذاكرتها قد تستيقظ يوماً وتكتشف أنها فقدت جزءاً من نفسها.
لماذا «بلا فار»؟
لأن هذه السلسلة لن تكون مجرد سرد سريع للمعلومات.
نريد أن نبحث.
أن نسأل.
أن نقارن الروايات.
أن نعود إلى الوثائق والدراسات.
وأن نستمع أيضاً إلى ذاكرة أبناء أزمور.
سنبحث عن التاريخ الموثق، وسنميز بين ما تؤكده المصادر وما يدخل في نطاق الرواية الشعبية.
سنحاول أن نعيد اكتشاف أزمور كما لم نرها من قبل.
أزمور التي يعرفها سكانها…
وأزمور التي لم يكتشفها كثير من المغاربة بعد.
وهذه ليست النهاية… بل البداية
هذه الحلقة ليست سوى الباب الأول.
في الحلقات القادمة سنعود إلى تفاصيل أكثر دقة:
من هم البرغواطيون؟
لماذا أصبحت أزمور مركزاً مهماً في مجالهم؟
كيف كانت المدينة قبل وصول البرتغاليين؟
من هو مولاي زايان؟
كيف سقطت أزمور سنة 1513؟
ماذا فعل البرتغاليون داخل المدينة؟
ما قصة القبطانية؟
كيف بُنيت التحصينات؟
من هو مولاي بوشعيب؟
من هم أقدم سكان وأسر أزمور؟
كيف كانت الحياة داخل المدينة القديمة؟
وماذا بقي من كل ذلك اليوم؟
كلمة أخيرة
أزمور ليست مجرد اسم على الخريطة.
إنها ذاكرة.
وذاكرة المدن لا تموت عندما تتغير مبانيها…
بل تموت عندما يتوقف أهلها عن السؤال عنها.
لذلك سنسأل.
وسنبحث.
وسنعود إلى الماضي…
لا لنعيش فيه، وإنما لنَفهم الحاضر ونصنع المستقبل.
من هنا تبدأ الرحلة.
من ضفة أم الربيع…
من خلف أسوار المدينة القديمة…
من أزقة أزمور التي تختزن قروناً من الحكايات…
🟠 «بلا فار»
أزمور… حكاية مدينة
غداً نفتح الصفحة الثانية:
«أزمور وبرغواطة… عندما كانت المدينة في قلب كيان سياسي مستقل»
يتبع…