“بلا ڤار”أخبار

أزمور قبل برغواطة… من أين بدأت الحكاية؟

🟠 بلا فار | الحلقة الثالثة

إعداد: بلا فار | سعيد حركات | USA TV |

في الحلقة الأولى من «بلا فار» فتحنا الباب على تاريخ أزمور، المدينة التي تختزن بين أسوارها وأزقتها ذاكرة قرون طويلة.

وفي الحلقة الثانية، وصلنا إلى محطة مفصلية، حين أصبحت أزمور مركزاً رئيسياً في المجال البرغواطي، بل عاصمة له في مرحلة من مراحله.

لكن اليوم نطرح السؤال الأصعب:

هل بدأت حكاية أزمور مع برغواطة؟

الجواب، على الأرجح، هو: لا.

فالدراسات التاريخية الحديثة تؤكد أن تاريخ أزمور أقدم بكثير من المرحلة الإسلامية، لكن الباحثين يحذرون في الوقت نفسه من الجزم بتفاصيل دقيقة حول المدينة في العصور القديمة، لأن الأدلة الأثرية المتوفرة لا تزال محدودة مقارنة بضخامة تاريخ الموقع.

ومن هنا تبدأ رحلتنا اليوم…

إلى أزمور التي سبقت برغواطة.


قبل أن تكون أزمور مدينة… كان هناك المكان

قبل الأسوار…

قبل القصبة…

قبل المساجد والزوايا…

وقبل أن تصبح المدينة مركزاً سياسياً…

كان هناك موقع استراتيجي على ضفة أم الربيع، قريب من المحيط الأطلسي، ومحاط بأراضٍ خصبة.

وهذه الجغرافيا ليست تفصيلاً عابراً.

فأزمور تقوم على الضفة اليسرى لأم الربيع، وعلى مسافة قصيرة من مصب النهر، في منطقة ارتبطت منذ قرون بالزراعة والحركة التجارية واستغلال موارد النهر. وتشير أبحاث تاريخية وأثرية إلى أن هذا الموقع ساعد على استمرار الاستقرار البشري في المكان لأكثر من ألفي سنة.

وهنا يمكن أن نفهم القاعدة الأولى في تاريخ أزمور:

المدينة لم يصنعها الإنسان وحده… بل صنعتها الجغرافيا أيضاً.

النهر منحها الماء.

الأرض منحتها الزراعة.

القرب من المحيط منحها الانفتاح.

والموقع منحها القدرة على مراقبة طرق الحركة بين الداخل والساحل.


اسم أزمور… ماذا يعني؟

حتى اسم المدينة يحمل وراءه قصة.

الاسم الأمازيغي «أزمور» (ⴰⵣⵎⵎⵓⵔ) يرتبط في اللغة الأمازيغية بمعنى الزيتون أو شجرة الزيتون، وهو تفسير لغوي تؤيده مراجع لغوية أمازيغية، مع وجود تفسيرات أخرى متداولة في بعض الكتابات الشعبية.

والزيتون ليس غريباً عن المجال الجغرافي للمدينة.

فالأراضي المحيطة بأزمور عرفت عبر التاريخ نشاطاً فلاحياً متنوعاً، وظلت الزراعة جزءاً أساسياً من اقتصاد المنطقة.

لكن هل الاسم الحالي يعود إلى أقدم مراحل الاستقرار في المكان؟

هنا يجب أن نكون حذرين.

لا يمكن الجزم بذلك دون أدلة لغوية وأثرية أكثر وضوحاً.

وهذه واحدة من النقاط التي تجعل تاريخ أزمور مفتوحاً أمام البحث العلمي.


أزمور و«أزاما»… اسم قديم يثير الأسئلة

من أشهر الروايات المتداولة حول تاريخ أزمور القول إن المدينة الحالية قامت فوق موقع مدينة قديمة تسمى «أزاما» (Azama).

وتذكر بعض الكتابات التاريخية أن الموقع عرف حضوراً فينيقياً ثم قرطاجياً ورومانياً، كما ذهبت بعض المصادر إلى ربط أزمور الحالية بالمدينة القديمة.

لكن هنا يأتي الفرق بين الرواية التاريخية واليقين الأثري.

فالدراسات الأكاديمية الحديثة المتعلقة بتاريخ أزمور تشير بوضوح إلى أن أصل المدينة الروماني، بل وما قبل الروماني، ما زال في نطاق الاحتمال وليس أمراً يمكن الجزم به بصورة نهائية. وفي المقابل، فإن أهمية أزمور خلال الفترات الإسلامية أصبحت موثقة بشكل أقوى.

إذن، عندما نقول إن أزمور هي أزاما القديمة، علينا أن نقول:

هناك فرضية تاريخية قوية ومتداولة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الأدلة الأثرية للحسم.

وهذا هو الأسلوب الذي سنعتمده في «بلا فار»:

لا نضيف الأسطورة إلى التاريخ، ولا نحذف الرواية من الذاكرة؛ بل نفرق بين ما نعرفه وما نرجحه وما لا يزال يحتاج إلى بحث.


هل مر الفينيقيون من هنا؟

الفينيقيون كانوا من أبرز القوى التجارية التي تحركت على سواحل شمال إفريقيا والأطلسي.

وتركوا آثاراً ومراكز تجارية في مناطق مختلفة من المغرب، ولذلك ليس مستبعداً من الناحية التاريخية والجغرافية أن تكون المنطقة المحيطة بأزمور قد دخلت في شبكات الاتصال التجاري القديمة.

وتذهب بعض المصادر المحلية والتاريخية إلى أن موقع أزمور القديمة عرف حضوراً فينيقياً ثم قرطاجياً.

لكن السؤال الذي يهمنا هو:

هل لدينا اليوم دليلاً أثرياً حاسماً يثبت أن الفينيقيين أسسوا أزمور؟

الجواب الذي تفرضه الأمانة العلمية هو:

لا نملك ما يكفي للجزم بذلك.

وهذا لا يعني أن الفرضية خاطئة.

بل يعني أن البحث الأثري لم يقل كلمته الأخيرة بعد.


ثم جاء القرطاجيون

بعد توسع النفوذ القرطاجي في شمال إفريقيا، أصبحت سواحل المغرب جزءاً من عالم تجاري واسع مرتبط بالبحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

وتشير بعض المصادر إلى تعاقب الحضور الفينيقي والقرطاجي والروماني في موقع أزمور أو محيطه.

لكن مرة أخرى، علينا أن ننتبه:

وجود نشاط أو تأثير قرطاجي في المنطقة لا يعني بالضرورة أن المدينة الحالية كانت تحمل الشكل نفسه أو الاسم نفسه الذي نعرفه اليوم.

فالمدن القديمة كانت تتغير.

تُهدم.

تُعاد بناؤها.

تتغير أسماؤها.

وتنتقل مراكزها أحياناً من موقع إلى آخر داخل المجال نفسه.

ولهذا فإن البحث في أصول أزمور يحتاج إلى الجمع بين التاريخ والجغرافيا والآثار واللسانيات.


الرومان… هل عرفت أزمور العصر الروماني؟

هنا أيضاً توجد روايات تشير إلى وجود روماني في الموقع أو المنطقة.

وبعض الكتابات القديمة والحديثة تربط ازدهار الموقع بفترة النفوذ الروماني.

لكن الدراسات المتخصصة في تاريخ أزمور تؤكد أن أصلها الروماني لا يزال غير محسوم، وأن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الموقع كان جزءاً من مجال شهد تحولات سياسية واقتصادية خلال العصور القديمة.

وهذا لا يقلل من أهمية السؤال.

بل يزيده إثارة:

إذا كانت أزمور قد عرفت بالفعل نشاطاً خلال العهد الروماني، فأين توجد آثاره؟

هل ما زالت بعض طبقاته مدفونة تحت المدينة الحالية؟

هل يمكن أن تكشف الحفريات المستقبلية عن أحياء أو منشآت قديمة؟

وهل يمكن للآثار أن تغير يوماً ما نعرفه عن بدايات المدينة؟

ربما.

ولهذا فإن أزمور ما زالت تحمل أسراراً تحت الأرض.


لماذا اختار الإنسان أزمور؟

هنا نعود إلى الجغرافيا.

تخيلوا المكان قبل أكثر من ألف سنة…

نهر كبير يصب في المحيط.

سهول خصبة.

مياه.

أسماك.

أراضٍ زراعية.

موقع مرتفع نسبياً يتيح المراقبة.

وقرب من طرق الحركة الساحلية والداخلية.

من الطبيعي أن يجذب هذا المكان الإنسان.

ولهذا تشير الأبحاث إلى أن الموقع ظل مأهولاً عبر فترات تاريخية طويلة، وأن موقعه على أم الربيع كان أحد أبرز عناصر قوته الاقتصادية والاستراتيجية.

وبمرور الزمن، لم يعد المكان مجرد نقطة استقرار.

بدأ يتحول إلى مجتمع.

ثم إلى مركز.

ثم إلى مدينة.


أم الربيع… البداية الحقيقية للحكاية؟

ربما نبالغ أحياناً عندما نقول إن تاريخ أزمور بدأ مع دولة أو سلالة.

لأن تاريخ المدينة قد يكون بدأ قبل ذلك بكثير مع النهر نفسه.

أم الربيع كان يوفر:

الماء للشرب…

الماء للزراعة…

الثروة السمكية…

مواد مختلفة للنشاط الاقتصادي…

وطريقاً طبيعياً يربط الداخل بالساحل.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الميناء النهري لأزمور ارتبط تاريخياً بتجارة منتجات من وادي أم الربيع والمناطق المحيطة، بما في ذلك الحبوب والزيتون والكتان والأسماك.

وهكذا يمكن أن نفهم لماذا بقيت أزمور مهمة حتى عندما تغيرت الدول.

الدول تتغير، أما النهر والجغرافيا فيستمران.


أزمور… مدينة لم تولد مرة واحدة

وهذه ربما أهم فكرة في حلقتنا.

لا ينبغي أن نتخيل أن شخصاً جاء في يوم من الأيام وقال:

«سأبني مدينة اسمها أزمور.»

المدن الكبرى غالباً لا تولد بهذه الطريقة.

إنها تتشكل على مراحل:

موقع يستقر فيه الإنسان…

ثم تجمع سكاني…

ثم نشاط اقتصادي…

ثم تنظيم اجتماعي…

ثم سلطة سياسية…

ثم عمران…

ثم أسوار…

ثم مدينة.

وأزمور تبدو، وفق ما تسمح به المعطيات المتوفرة، نتيجة تراكم طويل من الاستقرار والتحولات.

ولهذا فإن برغواطة لم تكن بداية كل شيء.

كانت مرحلة جديدة في تاريخ أقدم.


أزمور قبل برغواطة… من أين بدأت الحكاية؟

ظهرت برغواطة… كانت أزمور موجودة

وهنا نعود إلى الحلقة الثانية.

عندما ظهرت برغواطة في القرن الثامن الميلادي، لم تكن أمامها أرض خالية.

كانت هناك بيئة بشرية وجغرافية واقتصادية لها جذور.

ولهذا أصبح موقع أزمور مهماً للبرغواطيين.

فهي لم تصبح مركزاً مهماً لأنهم اخترعوا أهميتها من الصفر.

بل لأنهم وجدوا في المكان مقومات مدينة ومركز استراتيجي.

ومع تطور الدولة البرغواطية، أصبحت أزمور جزءاً من قلب ذلك الكيان، ثم اتخذت مكانة سياسية بارزة داخله.

وهكذا نكتشف أن:

برغواطة صنعت فصلاً من تاريخ أزمور… لكنها لم تصنع أزمور من العدم.


ماذا تقول لنا الآثار؟

ربما تكون الآثار هي المفتاح الحقيقي لحل الكثير من الأسئلة.

فالأبحاث الأثرية التي أجريت في أزمور خلال السنوات الماضية كشفت عن بقايا عمرانية وفخارية تساعد على فهم تطور المدينة.

وقد أظهرت أعمال أثرية وجود بقايا لأسوار وأبراج من التراب المدكوك، وأن النسيج العمراني التاريخي كان في مراحل معينة أوسع من حدود المدينة العتيقة الحالية.

كما كشفت بعثات مغربية وبرتغالية عن مواد فخارية تعود إلى مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، ما يؤكد غنى طبقاتها الأثرية.

وهذا مهم جداً.

لأن كل قطعة فخار، وكل طبقة ترابية، وكل بقايا جدار، يمكن أن تضيف جملة جديدة إلى قصة أزمور.


أزمور التي لم تكشف كل أسرارها

ربما يكون أجمل ما في أزمور اليوم أنها ما زالت تطرح أسئلة.

مدينة نعرف عنها الكثير…

لكننا لا نعرف كل شيء.

ولا تزال هناك حاجة إلى:

المزيد من الحفريات الأثرية…

دراسة أوسع للطبقات القديمة…

جمع الوثائق التاريخية…

مقارنة الروايات العربية والأوروبية…

دراسة أسماء الأماكن والأحياء…

وتوثيق الذاكرة المحلية.

فكلما بحثنا أكثر، اكتشفنا أن تاريخ أزمور أعمق مما يبدو.


من أزمور القديمة إلى أزمور الإسلامية

بعد هذه الرحلة في العصور القديمة، سنصل في الحلقات القادمة إلى مرحلة بدأت فيها أزمور تظهر بصورة أوضح في المصادر الإسلامية.

سنقترب من الدولة الإدريسية…

ثم المرابطين…

ثم الموحدين…

وسنكتشف كيف تحولت أزمور من مركز محلي إلى مدينة ذات وزن سياسي واقتصادي كبير.

وسنصل أيضاً إلى شخصية ارتبط اسمها بالمدينة ارتباطاً قوياً:

مولاي بوشعيب الرداد.

لكن قبل أن نصل إليه، علينا أن نفهم كيف دخلت أزمور المجال السياسي للدول المغربية الأولى.


أزمور… حكاية بدأت قبل أن تكتب الكتب اسمها

ربما لن نستطيع اليوم أن نحدد يوماً بعينه نقول فيه:

«في هذا التاريخ تأسست أزمور.»

وربما لا توجد سنة واحدة يمكن أن تختصر ولادة المدينة.

لكن ما نستطيع قوله إن الموقع عرف استقراراً بشرياً قديماً، وإن أهميته ارتبطت بجغرافيته الاستثنائية، وإن أزمور دخلت التاريخ الإسلامي وهي تحمل وراءها إرثاً أقدم، قبل أن تصبح لاحقاً مركزاً مهماً في برغواطة ثم في الدول المغربية المتعاقبة.

ولهذا فإن أزمور ليست مدينة عمرها بضعة قرون.

إنها مدينة تشكلت عبر طبقات من الزمن.

كل طبقة أضافت شيئاً.

وكل حضارة تركت أثراً.

وكل جيل حمل شيئاً من الذاكرة إلى الجيل الذي يليه.


كلمة «بلا فار»

في الحلقة الثالثة، لم نبحث عن قصة جميلة فقط.

بحثنا عن الحقيقة بقدر ما تسمح به الأدلة.

قلنا إن أزمور قد تكون مرتبطة بالموقع القديم الذي تذكره بعض المصادر باسم «أزاما».

وقلنا إن هناك روايات عن الحضور الفينيقي والقرطاجي والروماني.

لكننا لم نحول الاحتمال إلى حقيقة.

لأن احترام تاريخ أزمور يعني قبل كل شيء:

احترام الحقيقة.

فالتاريخ لا يحتاج إلى المبالغة حتى يكون عظيماً.

وأزمور، بكل ما نعرفه عنها، غنية بما يكفي من دون مبالغة.


غداً… ننتقل إلى المغرب الإسلامي

انتهت رحلتنا اليوم قبل برغواطة…

لكن الحكاية بدأت الآن تأخذ شكلاً أوضح.

في الحلقة القادمة سنفتح صفحة جديدة:

🟠 «أزمور والأدارسة… عندما دخلت المدينة في بدايات الدولة المغربية»

كيف كان وضع أزمور في عهد الأدارسة؟

ومن حكمها؟

وكيف ارتبطت بالمنطقة المحيطة بفاس وشالة وتامسنا؟

وماذا حدث للمدينة بعد وفاة إدريس الثاني؟

غداً نواصل الحكاية…

«بلا فار» | أزمور… حكاية مدينة لا تنتهي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button