“بلا ڤار”أخبار

العادر… يوم عاد المقاوم إلى زنزانته

بقلم : سعيد حركات | USA TV |

لم أكن أتصور أن جملة كنا نرددها ونحن أطفال، دون أن نفهم معناها، ستعود يوماً لتقف أمامي بكل ثقلها.

“الله يجعل من سبولتك نادر… من الحبس للعادر.”

كنا نقولها ونضحك.

لكن بالأمس، لم أضحك.

كنت واقفاً أمام باب العادر، ذلك الاسم الذي كان يبدو لنا في طفولتنا مجرد كلمة مخيفة، قبل أن نكتشف أن وراءه حكايات رجال، ودموع أمهات، وسنوات من القهر، وذاكرة وطن دفع ثمناً باهظاً من أجل حريته.

كان الباب أمامنا.

ثقيلاً… صامتاً… وكأنه لا يريد أن يفتح الماضي.

ثم فُتح.

دخلنا.

في تلك اللحظة، لم أشعر أننا دخلنا سجناً فقط، بل شعرت أننا دخلنا زمناً آخر.

زمناً لم تكن فيه الحرية أمراً عادياً.

تقدّم المقاوم أحمد طالب بلحاج أمامنا.

رجل تجاوزت به السنوات، وأثقل المرض جسده، لكن شيئاً واحداً لم تستطع السنوات أن تثقله: ذاكرته.

كان يعرف الطريق.

لم يحتج إلى من يدله.

خطواته كانت تقول إنه عاد إلى مكان يعرفه جيداً.

اقترب من زنزانته.

نظرت إليه، ثم قلت بنبرة حاولت أن أخفف بها من ثقل اللحظة:

“ما تخافش… فرنسا مشات وما غاديش ترجع.”

التفت إليّ وقال:

“أنا عمري خفت… لا منها ولا من غيرها.”

سكتُّ.

لم أجد ما أقول.

فبعض الجمل لا تحتاج إلى جواب.

وقف أمام زنزانته.

ظل ينظر إليها.

وأنا كنت أنظر إليه.

هو كان يرى الماضي…

وأنا كنت أرى رجلاً عاد بعد عقود إلى المكان الذي أراد يوماً أن يسحقه، فإذا به اليوم يقف أمامه واقفاً، بينما الذين صنعوا الخوف رحلوا، وبقي هو وبقيت الحكاية.

ربما في تلك اللحظات مرت أمام عينيه صور كثيرة.

شاب من العونات…

رفاق في المقاومة…

اعتقال…

أسئلة…

تعذيب…

أبواب تغلق…

وأيام طويلة لا يعرف فيها المعتقل متى ستفتح أبواب الحرية.

كان العادر شاهداً على كل ذلك.

شاهداً على مرحلة أراد فيها الاستعمار أن يقول للمغاربة: إما أن تخضعوا… أو ستدفعون الثمن.

لكن المغاربة اختاروا أن يدفعوا الثمن.

ولهذا، ونحن نمر بين تلك الجدران، لم يكن السؤال: ماذا فعل الاستعمار بالمقاومين؟

السؤال الحقيقي كان:

كيف استطاع أولئك الرجال أن يخرجوا من كل ذلك ولم تنكسر إرادتهم؟

ربما لأن الإنسان حين يؤمن بأن الوطن يستحق التضحية، تصبح الزنزانة أضيق من أن تسجن حلمه.

غادرنا زنزانة بلحاج، لكن صورة واحدة بقيت عالقة في ذهني:

رجل مسن يقف أمام المكان الذي احتجز فيه شاباً، ينظر إلى الجدران دون خوف.

في الخارج كانت الحياة تمضي.

أما داخل العادر، فكان التاريخ واقفاً ينتظر من يسمعه.

وحين خرجنا، فهمت أخيراً معنى تلك العبارة التي كنا نرددها صغاراً.

فالعادر لم يكن مجرد سجن.

كان عنواناً لزمن كان فيه الإنسان المغربي يُعاقب لأنه أراد أن يكون حراً.

واليوم، ونحن نحتفي بذكرى ثورة الملك والشعب، علينا أن نتذكر أن الاستقلال لم يصل إلى المغرب على طبق من ذهب.

وراءه رجال لم نعرف أسماء كثير منهم.

وراءه قبور.

وراءه معتقلات.

وراءه من عاشوا سنوات من العذاب ولم يطلبوا شيئاً لأنفسهم، سوى أن يروا المغرب حراً.

بالأمس غادرنا العادر…

لكنني خرجت منه وأنا أشعر أنني لم أغادر المكان فعلاً.

فبعض الأماكن تتركك حين تغادرها…

وبعضها يسكنك.

والعادر من تلك الأماكن.

لأنه ليس مجرد سجن من الماضي…

إنه شاهد على أن الحرية التي نعيشها اليوم، كان هناك من دفع عمره ثمناً لها.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

والرحمة لكل رجال المقاومة وجيش التحرير الذين رحلوا وهم يحملون المغرب في قلوبهم.

وطول العمر للمقاوم أحمد طالب بلحاج، ولمن بقي من جيل صنعوا التاريخ ولم يطلبوا مقابله شيئاً.

العادر صمت بالأمس…
لكن حين وقف بلحاج أمام زنزانته، تكلمت الجدران.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button