أخبارأخبار محلية

حين يصبح الجري معركة من أجل الاعتراف

 حكاية نادٍ أزموري اختار صناعة الأبطال من الهامش

بقلم : سعيد حركات | USA TV |

في المدن التي تبدو هادئة من الخارج، توجد أحياناً حكايات رياضية صاخبة لا يسمعها إلا من اقترب من الميدان. حكايات لا تتعلق فقط بالميداليات والكؤوس، بل بالإرادة، والصبر، والإصرار على منح الأطفال والشباب فرصة ليقولوا: نحن أيضاً نستطيع.

في أزمور، اختار خالد أن يبدأ من حيث يتوقف الآخرون. لم ينتظر إمكانيات كبيرة، ولا تجهيزات فاخرة، ولا دعماً استثنائياً. بدأ بفكرة بسيطة: جمع الأطفال والشباب الذين يحبون الجري، وفتح أمامهم باباً نحو الرياضة والانضباط والثقة بالنفس.

كان المشروع في بدايته متواضعاً، لكن نتائجه بدأت تتحدث. أطفال من أحياء شعبية وجدوا في المضمار مساحة لاكتشاف قدراتهم، وبعضهم تمكن من الوصول إلى منصات التتويج. وهنا تكمن قيمة التجربة: أن تتحول الإمكانيات المحدودة إلى نتائج كبيرة عندما تكون وراءها إرادة حقيقية.

غير أن النجاح الرياضي لا يكون دائماً نهاية الحكاية؛ أحياناً يكون بدايتها الأصعب.

مع توسع التجربة، ظهرت الحاجة إلى إطار مؤسساتي أكثر تنظيماً، وإلى استكمال المساطر المتعلقة بالانخراط والتسجيل الرياضي. ومن هنا بدأت مرحلة أخرى، عنوانها ليس الجري هذه المرة، وإنما الانتظار.

بحسب المعطيات المتداولة من محيط النادي، ظل ملف التسجيل معلقاً لفترة طويلة، رغم أن المسؤولين عنه يعتبرون أن الوثائق المطلوبة قد تم إعدادها واستكمالها. وبينما ينتظر الأطفال أن تفتح أمامهم أبواب المنافسة الرسمية، تبقى الأوراق في مسار إداري لا يبدو واضحاً بما يكفي بالنسبة إلى أصحاب المشروع.

وهنا تطرح القصة سؤالاً أكبر من ملف نادٍ واحد:

كيف يمكن أن نشجع الرياضة القاعدية ونكتشف المواهب، إذا كانت بعض المبادرات الصغيرة تجد نفسها أمام مسارات إدارية طويلة ومعقدة؟

المسألة لا ينبغي أن تتحول إلى صراع أشخاص، ولا إلى تبادل الاتهامات. الرياضة أكبر من ذلك. خالد ليس في حاجة إلى معركة مع أحد، والأطفال الذين يتدربون معه ليسوا طرفاً في أي خلاف. هؤلاء يحتاجون فقط إلى ملعب، ومضمار، وتأطير جيد، وفرصة عادلة للمنافسة.

وفي المقابل، فإن أي مؤسسة رياضية مطالبة بأن تجعل المساطر واضحة ومفهومة للجميع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبادرات تستهدف الفئات الصغرى وتعمل على توسيع قاعدة الممارسة الرياضية.

إذا كانت هناك شروط تنظيمية أو مجالية أو تقنية تحكم تأسيس الأندية وانخراطها، فمن حق أصحاب المشاريع أن يعرفوها بوضوح، وأن يحصلوا على جواب رسمي ومعلل، وأن تكون أمامهم، عند الحاجة، طرق واضحة لاستكمال الإجراءات.

فالوضوح الإداري ليس امتيازاً، بل هو جزء من بناء الثقة.

الأخطر في مثل هذه القصص ليس تأخر ورقة في حد ذاته، وإنما أن يشعر الطفل بأن الحلم الذي بدأه بحذائه الرياضي البسيط يمكن أن يتوقف بسبب أمور لا علاقة له بها.

ذلك الطفل الذي يستيقظ مبكراً من أجل التدريب لا يعرف شيئاً عن الملفات والمراسلات والإجراءات. هو يعرف شيئاً واحداً فقط: يريد أن يركض.

يريد أن يفوز.

يريد أن يمثل مدينته.

وربما، بعد سنوات، أن يمثل المغرب.

لذلك فإن دعم الأندية الصغيرة ليس مجرد خدمة لجمعية رياضية، بل هو استثمار في المستقبل. فالكثير من الأبطال لا يولدون داخل مراكز رياضية ضخمة، وإنما يبدأون من حي شعبي، أو جمعية صغيرة، أو مدرب آمن بموهبتهم عندما لم يكن أحد يعرف أسماءهم.

قصة خالد، بهذا المعنى، تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الحسابات الشخصية. إنها نموذج لسؤال يتكرر في أكثر من مدينة: هل نستطيع أن نجعل الرياضة وسيلة لصناعة الفرص، أم أن بعض المبادرات ستظل عالقة بين الحلم والورق؟

المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام، ولا توجيه اتهامات، وإنما فتح باب الحوار.

أن تجلس الجهات المعنية مع أصحاب المشروع.

أن توضع المعايير أمام الجميع بوضوح.

أن يُشرح سبب أي تأخير.

وأن يحصل كل مشروع يستوفي الشروط على جواب واضح وفق القواعد المعمول بها.

لأن الرياضة الحقيقية لا تبدأ من الكؤوس، وإنما من العدالة في منح الفرص.

وفي أزمور، هناك أطفال لا ينتظرون خطاباً كبيراً ولا وعوداً براقة.

إنهم ينتظرون فقط أن يُقال لهم:

اربطوا أحذيتكم… وانطلقوا.

فربما يكون بين هؤلاء الأطفال بطل مغربي قادم، يحتاج فقط إلى أن يجد من يفتح له الطريق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button