“بلا ڤار”أخبار

​صمت المقبرة وصدى الروح: حوار بين مرارة الفقد ونور الرجاء

 

أقف في عتبة الصمت الممتد، يغلفني الهدوء وتتسابق في خاطري ذكريات وجهكِ الذي كان ينير أركان حياتي. منذ أن غادرتِ يا أمي، أصبحت الأيام تتشابه، والوجوه تتوارى خلف طيفكِ الذي لا يغيب. أسير في أنحاء البيت، أفتش في كل زاوية وفي كل ركن علّني ألمح أثراً من ثوبكِ أو أستنشق عبير حضوركِ الذي كان يحرسني من فجائع الدهر. لقد كانت حياتي معكِ أماناً، ومن بعدكِ أصبحت موجعة، ثقيلة الخطو، يملؤها الشوق وتكتنفها مرارة الفراق التي لا تبرأ.

​وفي لجة هذا الحزن الدافق، يقف قلبي مجادلاً روحي المتعبة، ويدور في أعماقي حوار يصرخ بالوجع والحنين:

​أنا: لم أعد أحتمل هذا الفراغ الموحش الذي تركه غيابها، يقتلني الشوق إليها في كل لحظة، أبحث عن ملامحها في كل تفاصيل يومي، لكنني لا ألقى سوى السراب. ما زلت أبكيها الليل والنهار، وكأن الرحيل حدث بالأمس.

​داخلي: ألم تعلم بعد أن أمك لم ترحل كلياً؟ إنها تعيش في نبضات قلبك، وفي كل مرة ترفع فيها يديك إلى السماء. أليست هي أول دعائك، وأوسطه، وآخره؟

​أنا: بلى، هي كذلك وستبقى، لكن ثقل الفقد أشد من أن يحمله صدري بمفرده. كانت أجمل شيء أكرمني الله به في هذه الدنيا، واليوم أقف أمام صمت المقبرة، أتمنى لو تنطق التربة لترد عليّ صوتها الحنون، أرجو أن تصلها رسائلي لتستشعر كم أفتقدها وأتألم لفراقها.

​داخلي: المقبرة تحتضن الجسد فقط، أما حبها وروحها ودعواتها فما زالت تظللك. لا تجعل حزنك يرثيها بالدموع وحدها، بل اجعل حنينك لها نوراً يضيء مرقدها. أرسل لها الرحمات مع كل نفس، وكن الأثر الصالح الذي تفتخر به.

​أنا: كيف لي أن أداري هذا الوجع الذي يستبد بي كلما خلوت بنفسي؟

​داخلي: لا تُطالب بنسيانها، فحب الأم شجرة غُرست جذورها في أعمق نقطة من روحك. اصبر واحتسب، واعلم أن الدعاء هو حبل الوصل الأبدي الذي لا يقطعه الموت. كلما خنقتك العبرة، ارفع كفيك وقل بقلب صادق: يا رب ارحمها كما ربتني صغيراً.

​أتنهد بعمق، وأمسح دمعة تسللت في ظلام الليل، وأستشعر دفء ذكرها في صدري، ليردد قلبي قبل لساني: رحمك الله يا أمي، وجعل مثواك الفردوس الأعلى، وأنار قبرك بنور جناته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button