
🟠 بلا فار | الحلقة الثانية
إعداد: بلا فار | سعيد حركات | USA TV |
في الحلقة الأولى من سلسلة «بلا فار» فتحنا الباب الأول على تاريخ أزمور، المدينة التي تختزن بين أسوارها وأزقتها ذاكرة قرون طويلة.
واليوم، نعود إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخها إثارة للجدل والأهمية:
أزمور وبرغواطة.
كيف ظهرت برغواطة؟
من هم البرغواطيون؟
لماذا كانت أزمور مهمة إلى هذه الدرجة؟
وهل كانت فعلاً عاصمة برغواطة؟
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تقودنا إلى مرحلة من تاريخ المغرب كانت فيها الخريطة السياسية مختلفة تماماً عن الخريطة التي نعرفها اليوم.
عندما لم يكن المغرب دولة واحدة
لكي نفهم قصة أزمور وبرغواطة، علينا أولاً أن ننسى للحظة خريطة المغرب الحالية.
ففي القرون الأولى بعد الفتح الإسلامي، لم يكن المجال المغربي موحداً تحت سلطة مركزية واحدة.
ظهرت كيانات سياسية متعددة، بعضها ارتبط بالخلافة في المشرق، وبعضها أعلن استقلاله، وبعضها تأسس على تحالفات قبلية ومجالية.
ومن بين أبرز هذه الكيانات ظهرت برغواطة في منطقة تامسنا، في المجال الأطلسي الممتد تقريباً بين أبي رقراق وأم الربيع، مع اختلاف المصادر في تحديد حدود نفوذها في فترات قوتها.
وهنا تدخل أزمور إلى المشهد.
من هم البرغواطيون؟
برغواطة كانت إمارة أمازيغية نشأت في القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، واستمرت قروناً طويلة.
وتحذر المصادر التاريخية من التعامل مع تاريخها باعتباره ملفاً بسيطاً، لأن معظم الأخبار التي وصلتنا عنها كُتبت من طرف خصومها أو بعد سقوطها، وهو ما يجعل بعض تفاصيل تاريخها موضع اختلاف بين الباحثين.
وكانت برغواطة تضم مجموعة من القبائل الأمازيغية، وتمكنت من بناء كيان سياسي حافظ على استقلاله أمام قوى إقليمية كبرى تعاقبت على المغرب.
ولم تكن قوتها عسكرية فقط.
فالمجال الذي سيطرت عليه كان غنياً بالموارد الزراعية، ومفتوحاً على المحيط الأطلسي، ومرتبطاً بشبكات تجارية مهمة.
وهذه العوامل كلها ستفسر لنا لاحقاً:
لماذا كانت أزمور بالذات مدينة استراتيجية؟
أزمور… من مركز مهم إلى عاصمة
هنا نصل إلى النقطة الأهم في حلقتنا.
تذكر مصادر مغربية أن أزمور أصبحت عاصمة لإمارة برغواطة، وأن العاصمة البرغواطية انتقلت إليها بعد اضطرابات وصراعات أدت إلى فقدان شالة لمكانتها المركزية.
وتشير دراسة منشورة ضمن مجلة أكاديمية متخصصة إلى أن أزمور كانت مركزاً مهماً داخل المجال البرغواطي، بينما تذكر مصادر مغربية رسمية أن العاصمة انتقلت إلى أزمور بعد تخريب شالة، فأصبحت المدينة مركزاً رئيسياً للبرغواطيين.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
لم تكن أزمور بالضرورة العاصمة الوحيدة لبرغواطة طوال تاريخ الإمارة.
فالمصادر تشير إلى أن شالة كانت مركزاً مهماً في مراحل سابقة، وأن موقع العاصمة ومركز الثقل تغير بحسب الظروف السياسية والعسكرية.
لكن الثابت أن أزمور أصبحت في مرحلة من مراحل قوة برغواطة مركزها الأهم، بل عاصمتها عندما انتقل إليها مركز الحكم.
وهذه المعلومة وحدها تعيد ترتيب نظرتنا إلى تاريخ المدينة.
لماذا أزمور؟
لماذا اختيرت أزمور؟
الجواب موجود في الجغرافيا.
أزمور تقع على الضفة اليسرى لأم الربيع، بالقرب من مصبه في المحيط الأطلسي.
أي أنها كانت تتمتع بثلاثة عناصر استراتيجية في آن واحد:
النهر.
الأرض الزراعية.
القرب من المحيط.
وهذه التركيبة جعلت المدينة مناسبة للاستقرار، والزراعة، والحركة التجارية، والدفاع.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن موقع أزمور على النهر، وقربها من الساحل، وطبيعة علاقتها بالمجال الداخلي، كلها عوامل لعبت دوراً أساسياً في تشكيل تاريخها الاقتصادي والسياسي.
بعبارة أخرى:
الجغرافيا ساعدت أزمور على صناعة التاريخ.
برغواطة… قوة في قلب دكالة وتامسنا
لم تكن برغواطة كياناً صغيراً محصوراً حول مدينة واحدة.
امتد نفوذها على مجال واسع من المغرب الأطلسي، وتختلف المصادر في رسم حدوده الدقيقة بحسب الفترات التاريخية.
وتذكر مصادر تاريخية أن المجال البرغواطي ارتبط بالمنطقة الواقعة بين أبي رقراق وأم الربيع، بينما تتحدث مصادر أخرى عن امتداد نفوذها في فترات القوة إلى مناطق أبعد.
وكانت دكالة وتامسنا من أهم المجالات التي عاشت تحت تأثيرها.
وهنا يمكن أن نفهم شيئاً مهماً:
أزمور لم تكن مدينة منعزلة عن محيطها.
بل كانت جزءاً من شبكة واسعة من القبائل والمراكز العمرانية والطرق التجارية والزراعية.

النهر في خدمة الدولة
في ذلك الزمن، لم تكن الأنهار مجرد مصادر للماء.
كان النهر يعني:
الزراعة.
الاستقرار.
الثروة.
التنقل.
والقدرة على تأمين الغذاء.
وأم الربيع، باعتباره أحد أكبر أنهار المغرب، منح أزمور ومحيطها إمكانات كبيرة.
لقد شكلت الأراضي الزراعية في المنطقة قاعدة اقتصادية مهمة، وهو ما ساعد البرغواطيين على بناء مجتمع مستقر نسبياً وقادر على الاستمرار لقرون.
وتشير دراسة تاريخية صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى النشاط الزراعي والحضاري الذي عرفته دكالة خلال العصر البرغواطي، وإلى إنشاء البرغواطيين شبكة من المراكز والمدن في السهول.
وبرغواطة لم تكن معزولة عن العالم
قد تبدو لنا برغواطة اليوم وكأنها كيان منعزل داخل المغرب.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
المجال البرغواطي كان مفتوحاً على المحيط الأطلسي، وعلى طرق التجارة، وكانت له علاقات ومواجهات مع كيانات مجاورة.
وتشير المصادر إلى وجود حركة تجارية عبر الساحل، وعلاقات مع الأندلس وغيرها من المناطق، ما يعكس أهمية المجال الأطلسي في اقتصاد برغواطة.
وأزمور، بحكم موقعها على أم الربيع وقربها من المحيط، كانت جزءاً من هذا العالم المتحرك.
أزمور بين برغواطة والأدارسة
لم تكن العلاقة بين برغواطة والدولة الإدريسية مستقرة.
فقيام الدولة الإدريسية في أواخر القرن الثامن الميلادي خلق قوة سياسية جديدة في المغرب.
وسرعان ما دخلت القوى الإدريسية والبرغواطية في صراعات على النفوذ والمجال.
وتشير المصادر إلى أن إدريس الأول تمكن في مرحلة من السيطرة على مراكز مهمة في المجال البرغواطي، قبل أن تستعيد برغواطة قوتها في فترات لاحقة.
وكانت أزمور ودكالة من المناطق التي شهدت هذه التحولات.
وهذا يوضح لنا أن موقع أزمور لم يكن ميزة اقتصادية فقط.
كان أيضاً موقعاً سياسياً حساساً.
عندما أصبحت أزمور مركزاً للبرغواطيين
مع تغير موازين القوى، انتقل مركز الثقل البرغواطي نحو أزمور.
وتذكر المصادر أن المدينة أصبحت عاصمة برغواطة بعد تراجع شالة، بل تصفها مصادر وزارة الأوقاف بأنها أصبحت العاصمة الوحيدة والأكثر أهمية في مرحلة معينة من تاريخ الإمارة.
تخيلوا المشهد:
مدينة على ضفة أم الربيع…
حولها سهول زراعية واسعة…
وقريبة من المحيط…
وتتحرك حولها القبائل والقوافل والتجارة…
وفيها مركز سياسي يدير شؤون كيان يمتد على مساحة واسعة.
هذه لم تكن أزمور الهادئة التي نعرفها اليوم فقط.
كانت أزمور سياسية.
أزمور التي كان للقرار فيها وزن.
الدين والسياسة… وجه آخر من قصة برغواطة
وهنا ندخل إلى أكثر الأجزاء حساسية في تاريخ برغواطة.
فالمصادر التاريخية تقدم روايات متعددة ومتناقضة حول معتقدات البرغواطيين، وترتبط هذه الروايات خصوصاً بصالح بن طريف، الذي تنسب إليه المصادر تأسيس نظام ديني خاص بالبرغواطيين وادعاء النبوة.
وبسبب طبيعة المصادر التي كتب جانب كبير منها من طرف خصوم برغواطة، يجب التعامل مع التفاصيل العقدية بحذر، والتمييز بين ما ترويه المصادر وبين ما يمكن إثباته تاريخياً بصورة مستقلة.
لكن المؤكد أن برغواطة لم تكن مجرد تحالف قبلي عابر.
لقد امتلكت نظاماً سياسياً ودينياً خاصاً بها، وهو ما ساعدها على الحفاظ على استقلالها فترة طويلة.
ستة قرون من الصمود
وهنا تكمن المفاجأة.
برغواطة لم تظهر ثم تختفِ بعد سنوات قليلة.
لقد استمرت، مع مراحل قوة وضعف، قرابة ستة قرون.
وتذكر دراسة منشورة على موقع وزارة الأوقاف أن الوجود البرغواطي استمر مع فترات من الضعف والانحسار إلى حدود العهد المريني، رغم الضربات التي وجهتها إليه القوى المتعاقبة، بينما تربط مصادر أخرى نهاية الإمارة فعلياً بالقضاء عليها خلال العهد الموحدي.
وهذا الاختلاف نفسه مهم.
لأنه يبين أن سقوط برغواطة لم يكن حدثاً بسيطاً في يوم واحد، وإنما كان مساراً طويلاً من الصراعات والانحسار ثم القضاء النهائي على كيانها السياسي.
المرابطون يدخلون على الخط
مع صعود المرابطين، دخلت برغواطة مرحلة جديدة من الصراع.
كان المرابطون يسعون إلى توسيع نفوذهم وتوحيد المجال المغربي تحت سلطتهم.
وكانت برغواطة، باستقلالها السياسي ونظامها الديني المختلف، عائقاً أمام هذا المشروع.
وتذكر مصادر وزارة الأوقاف أن المرابطين خاضوا حملة ضد الوجود البرغواطي، وأنهم خربوا عدداً كبيراً من المراكز العمرانية في المجال، خاصة في دكالة، وهو ما ألحق أضراراً بالغة بالبنية الحضرية والسياسية للمنطقة.
لكن برغواطة لم تختفِ مباشرة.
استمرت المقاومة.
واستمر الكيان في الوجود بأشكال مختلفة.
ثم جاء الموحدون
بعد المرابطين، جاء الموحدون.
وكان مشروعهم أكثر شمولاً وقوة.
ومع تمدد الدولة الموحدية، أصبحت برغواطة أمام قوة سياسية وعسكرية جديدة.
وفي النهاية تمكن الموحدون من القضاء على استقلالها وإخضاع المجال الذي كانت تسيطر عليه. وتربط المصادر المغربية نهاية برغواطة النهائية بالعصر الموحدي.
وهكذا انتهى فصل سياسي طويل.
لكن أزمور لم تنتهِ.
وهذه نقطة مهمة جداً.
سقوط برغواطة لم يكن سقوط أزمور.
على العكس…
كانت تلك بداية مراحل جديدة من تاريخ المدينة.
من عاصمة برغواطة إلى مدينة مزدهرة
بعد انتهاء المرحلة البرغواطية، واصلت أزمور حضورها في التاريخ المغربي.
وخلال العصر الموحدي، تشير الدراسات إلى أن المدينة عرفت ازدهاراً واضحاً، وأصبحت مركزاً إقليمياً مهماً، كما تعززت علاقاتها التجارية مع شبه الجزيرة الإيبيرية.
أي أن المدينة استطاعت أن تتجاوز سقوط الكيان الذي كانت عاصمة له.
وهذه واحدة من أعظم نقاط القوة في تاريخ أزمور:
المدينة تتغير… لكن المدينة لا تموت.
ماذا ترك البرغواطيون في أزمور؟
ربما يسأل القارئ:
إذا كان البرغواطيون قد عاشوا في أزمور قبل قرون طويلة، فأين آثارهم اليوم؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيداً.
فالمدينة الحالية تعرضت لتحولات عمرانية كبيرة عبر القرون، كما أن الحروب وإعادة البناء غيرت الكثير من معالمها.
وتشير الأبحاث الأثرية الحديثة إلى وجود بقايا عمرانية قديمة في أزمور تتجاوز حدود المدينة العتيقة الحالية، بما فيها أسوار وأبراج ترابية تعود إلى مراحل تاريخية سابقة.
لكن ربط كل أثر موجود اليوم بالبرغواطيين تحديداً يحتاج إلى دليل أثري وتاريخي دقيق.
ولهذا لا ينبغي أن نقع في خطأ شائع:
ليس كل حجر قديم في أزمور برغواطياً.
فأزمور مدينة تراكمت فيها طبقات عمرانية كثيرة عبر قرون.
أزمور… أكثر من عاصمة
قد يكون وصف أزمور بأنها «عاصمة برغواطة» جذاباً، لكنه لا يكفي.
لأن أهمية المدينة أكبر من ذلك.
كانت:
مركزاً سياسياً.
مركزاً زراعياً.
مركزاً تجارياً.
موقعاً استراتيجياً.
مدينة مرتبطة بالنهر والمحيط.
ثم أصبحت في مراحل لاحقة مركزاً دينياً وعمرانياً مهماً.
وهذا هو سر استمرارها.
التاريخ الذي لم نقرأه بعد
عندما نقف اليوم أمام سور أزمور، ربما نراه مجرد جدار قديم.
لكن خلف هذا الجدار توجد أسئلة كثيرة:
أين كانت حدود أزمور البرغواطية؟
كيف كان شكل المدينة في ذلك العصر؟
أين كان مركز الحكم؟
كيف كانت الأسواق؟
كيف كانت علاقة المدينة بالقبائل المحيطة؟
كيف كان السكان يعيشون؟
وماذا حدث لأزمور بعد سقوط برغواطة؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى البحث في كتب التاريخ، والوثائق، والدراسات الأثرية، والخرائط، وحتى الذاكرة المحلية.
و«بلا فار» لن يدّعي امتلاك كل الأجوبة.
لكننا سنواصل البحث.
أزمور… حين يتحدث المكان
ربما أجمل ما في تاريخ أزمور أن الجغرافيا نفسها ما زالت موجودة.
أم الربيع ما زال يجري.
السهول ما زالت تحيط بالمدينة.
والمدينة القديمة ما زالت تحتفظ بأسوارها وأزقتها.
وإذا كانت برغواطة قد اختفت ككيان سياسي، فإن المكان الذي احتضنها بقي.
وهنا نفهم شيئاً مهماً:
الدول تسقط… لكن المدن التي تصنع التاريخ تستطيع أن تعيش أكثر من الدول.
الحلقة الثانية… تنتهي، والحكاية مستمرة
اليوم عرفنا أن أزمور لم تكن مجرد مدينة على ضفة أم الربيع.
كانت في مرحلة تاريخية حاسمة مركزاً رئيسياً لبرغواطة، ثم عاصمة لها بعد انتقال مركز الثقل من شالة.
وعرفنا أن برغواطة كانت كياناً سياسياً أمازيغياً استمر قروناً، وأن أزمور استفادت من موقعها بين النهر والسهول والمحيط.
لكن السؤال الذي سيقودنا إلى الحلقة القادمة هو:
ماذا كانت أزمور قبل برغواطة؟
هل بدأت حكاية المدينة فعلاً في القرن الثامن الميلادي؟
أم أن جذورها أقدم بكثير؟
هل مرّ الفينيقيون من هنا؟
هل ترك الرومان أثراً في المنطقة؟
وماذا يقول الباحثون عن أصل اسم «أزمور»؟
🟠 الحلقة الثالثة من «بلا فار»
أزمور قبل برغواطة… من أين بدأت الحكاية؟
غداً نعود إلى البدايات… قبل أن تصبح أزمور عاصمة.
يتبع…
